للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا جزء من مناظرة بين جبري وسني:

- قال الجبري: القول بالجبر لازم لصحة التوحيد، ولا يستقيم التوحيد إلا به، لأننا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلا للحوادث غير الله مع الله، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهذا شرك لا يخلص منه إلا القول بالجبر.

وقال السني: بل القول بالجبر مناف للتوحيد، فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب، فلو صح الجبر لبطلت الشرائع، ولبطل الأمر والنهي، ويلزم من بطلان الثواب والعقاب (١).

ويستمر الجدال بينهما مؤكدا ما يهدف إليه كل من الطرفين، وكذلك الأمر فيما ذكره ابن القيم بين سني وقدري. وإذا كان هذا الجدول في باب العقائد، فقد كان للفقهاء مناظراتهم في باب الفقه وفي مواسم الحج، وكانت مجادلات الفقهاء أخصب وأعم خيرا، وأكثر إنتاجا من مجادلات الفرق المختلفة، وإذا كان هذا لا ينفي ما وجد من جدل تعصب فيه كل لموطنه البصرة أو الكوفة، وفي ذلك ما فيه من لجج وخصومة (٢).

ويصور الشيخ أبو زهرة حالة العصر الذي نحن بصدده فيقول: " والعصر كان عصر مناظرات وجدل، فمناظرات شديدة اللجب، قوية الأثر بين الفرق المختلفة وبين الشيعة والجماعة، وبين الخوارج وغيرهم، وبين أهل الأهواء جملة، وبين المعتزلة والمدافعين عن الآراء الإسلامية والعقيدة السليمة القوية، يرحل العلماء لأجل هذه المناظرات، وقد رأيت أن أبا حنيفة قد رحل إلى البصرة نحو اثنتين وعشرين مرة لأجل مناظرة الفرق الكثيرة المختلفة (٣).

وقد ارتبط بهذا الجو بعض المظاهر العلمية التي بقيت وأثرت في الفكر الإسلامي بين أخذ ورد، أعني وجود علم الكلام بمدارسه المختلفة والكتب التي ألفت في العقائد والنحل. وسنفرد كلا بكلمة وجيزة.


(١) ابن القيم / شفاء الغليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل / ٧٥ (طبعة صبيح).
(٢) أبو زهرة / أبو حنيفة / ٨٩.
(٣) أبو زهرة / أبو حنيفة / ٨٩.