للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإذا كنا نرى أناسا قد انحرفوا عن الدين، فليس معنى ذلك أنهم انسلخوا من فطرتهم، وإنما هو مجرد ضعف طارئ أمام مغريات المال أو الجسد تارة، ونزعات العقل تارة أخرى، ووساوس الوهم تارة ثالثة، ثم لا يلبث أن يزول هذا العرض الطارئ عن جوهر الفطرة فإذا بها نقية طاهرة على نحو ما فطر الله الناس عليها.

ولقد نعلم أن القرآن الكريم أشار في أكثر من آية إلى أصالة هذه الفطرة في جميع بني الإنسان وأن ما طرأ عليها ليس إلا انحرافا، لا يلبثون أن يرجعوا عنه عندما تكتنفهم الخطوب، وتنزل بهم الكروب، يقول الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} (١) ".

ويقول: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (٢) {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (٣).

معنى ذلك أن الدين يحقق الكمال الإنساني للبشرية، فإذا هي حادت عنه، أو تنكرت له فقد حادت عن الكمال إلى النقص، وتنكرت لما هو مصدر خيرها ومورد سعادتها.

نعم إن الدين يحقق الكمال ويوفر الخير والسعادة للبشرية كلها أفرادا وجماعات، ونوضح ذلك فيما يلي:

أما بالنسبة للفرد.

١ - فالدين عنصر ضروري لتكميل القوة النظرية في الإنسان، فهو يخرج بالعقل والفكر عن سجن الماديات والمحسوسات إلى مجال الغيب الفسيح الذي يجد العقل فيه متعته ولذته من غير حدود ولا قيود، وبهذا تتسع مدارك الإنسان ويتفتح عقله على معارف شتى تشق أمامه الطريق إلى ما فيه خيره وسعادته.

٢ - والدين عنصر ضروري لتكميل الوجدان، حيث يدعو إلى تعلق المخلوق بالخالق، وعرفان ماله عليه من فضل ومنه، ومراقبته في السر لاعتقاده أنه يراه، وبهذا تقوى عند الإنسان عاطفة الحب، والشكر، والإخلاص، والحياء، والأمل، وغيرها من العواطف التي قد لا تجد لها في دنيا الناس معينا يغذيها وينميها. وبهذا تسمو عاطفة الإنسان نحو الخير دائما، فيستقيم على الجادة، ويمضي في حياته طاهر القلب نقي الوجدان.


(١) سورة الإسراء الآية ٦٧
(٢) سورة يونس الآية ٢٢
(٣) سورة يونس الآية ٢٣