للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هو الذي يصوم فيه اللسان مثلما تصوم كافة الجوارح عن السيئات والفرج والبطن عن الشهوات، فتكون صدقة الفطر، التي هي امتثال في الأصل لأمر شرع الله، قد أدت غرضا إسلاميا وقصدا دينيا، هو تأكيد الامتثال بأداء ما يجبر هذا النقص ويطهر الصائم من لغوه ورفثه، ودفعه بعد ذلك إلى أن يكبح جماح لسانه فلا يتكلم إلا في خير ومعروف، ويسيطر على أذنيه فلا يدعهما تستمرئان سماع المنكر أيا كان مصدره وأيا كانت طبيعته، ويتحكم في عينيه فلا ينظر بهما إلى ما حرم الله، ويجعل فؤاده محكوما بإرادته. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (١) ولا يكون ممن {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (٢).

والصائم عند ما يزكي فإنه يشيع المحبة والمسرة في نفوس أهل الحاجة، الذين تكفل الله تعالى برزقهم، ومن رزقهم عطاء الموسرين في أحد عيدي المسلمين "فاقتضت حكمة الشارع أن يفرض له (أي لذي الحاجة أو المسكين) في هذا اليوم ما يغنيه عن الحاجة. ويشعره بأن المجتمع لم يهمل أمره، ولم ينسه في أيام سروره وبهجته " (٣)، ولذا فإنه إذا كان مخرجها يقول "عند دفعها اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما" فإن آخذها يدعو له دعوة تجلي حكمة أخرى من حكمها قائلا "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا" (٤)؛ لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} (٥).


(١) سورة الإسراء الآية ٣٦
(٢) سورة البقرة الآية ٧
(٣) د. يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، ج ٢، التسهيل لعلوم التنزيل، ص ٩٢٢، ٩٣٣.
(٤) منار السبيل، المرجع السابق، ص ٢٠٥.
(٥) سورة التوبة الآية ١٠٣