للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة هل يقتل بها أكثر من واحد؟ فقال مالك: لا تكون القسامة إلا على واحد وبه قال أحمد بن حنبل، وقال أشهب: يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء، وهو ضعيف، وقال المغيرة المخزومي: كل من أقسم عليه قتل، وقال مالك والليث: إذا شهد اثنان عدلان أن إنسانا ضرب آخر وبقي المضروب أياما بعد الضرب ثم مات أقسم أولياء المضروب أنه مات من ذلك الضرب وقيد به، وهذا كله ضعيف (١).

قال الشافعي في باب القسامة: ولهم - أي ولاة الدم - إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم (٢).

وقال أيضا في اختلاف المدعى عليه في الدم قال: فإن ادعى أولياؤه " أي القتيل" على أهل المحلة لم يحلف لهم منهم إلا من أثبتوا بعينه فقالوا: نحن ندعي أنه قتله، فإن أثبتوهم كلهم وادعوا عليهم، وهم مائة أو أكثر، وفيهم نساء ورجال وعبيد، مسلمون كلهم، أو مشركون كلهم، أو فيهم مسلم ومشرك، أحلفوا كلهم يمينا يمينا؛ لأنهم يزيدون على خمسين.

وإن كانوا أقل من خمسين ردت الأيمان عليهم، فإن كانوا خمسة وعشرين حلفوا يمينين يمينين، وإن كانوا ثلاثين حلفوا يمينين يمينين؛ لأن على كل واحد منهم يمينا وكسر يمين ومن كان عليه كسر يمين حلف يمينا تامة، وليس الأحرار المسلمون أحق بالأيمان من العبيد، ولا العبيد من الأحرار، ولا الرجال من النساء، ولا النساء من الرجال، كل بالغ فيها سواء.

وإن كان فيهم صبي ادعوا عليه لم يحلف، وإذا بلغ حلف، فإن مات قبل البلوغ فلا شيء عليه، ولا يحلف واحد منهم إلا واحدا ادعوا عليه بنفسه، فإذا حلفوا برئوا.

وقال الشافعي: بيان ما يحلف عليه في القسامة قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: وينبغي للحاكم أن يسأل من وجبت له القسامة: من صاحبك؟ فإذا قال: فلان، قال: فلان وحده؟ فإن قال: نعم، قال عمدا أو خطأ؟ فإن قال: عمدا، سأله: ما العمد؟ فإن وصف ما يجب بمثله قصاص، ولو قامت بينة أحلفه على ذلك، وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص وإنما يكون فيه العقل أحلفه على ذلك بعد إثباته، وإن قال: قتله فلان ونفر معه لم يحلفه حتى يسمي النفر، فإن قال: لا أعرفهم وأنا أحلف على هذا أنه فيمن قتله لم يحلفه حتى يسمي عدد النفر معه، فإن كانوا ثلاثة أحلفه على الذي أثبته وكان له عليه ثلث الدية، أو على عاقلته، وإن كانوا أربعة نفر فربعها، وإن لم يثبت عددهم لم يحلف؛ لأنه لا يدري كم يلزم هذا الذي يثبت ولا عاقلته من الدية لو حلف عليه.

ولو عجل الحاكم فأحلفه قبل أن يسأله عن هذا كان عليه أن يعيد عليه اليمين إذا أثبت كم عدد من قتل معه، ولو عجل الحاكم فأحلفه لقتل فلان فلانا ولم يقل عمدا ولا خطأ أعاد عليه عدد ما يلزمه من الأيمان؛ لأن حكم الدية في العمد أنها في ماله، وفي الخطأ أنها على عاقلته، ولو عجله فأحلفه لقتله مع غيره عمدا ولم يقل قتله وحده أعاد عليه اليمين لقتله وحده، ولو عجل فأحلفه لقتله من غيره ولم يسم عدد الذين قتلوه معه أعاد عليه الأيمان إذا عرف العدد.

ولو أحلفه لقتله وثلاثة معه ولم يسمهم قضى عليه بربع الدية، أو على عاقلته، فإن جاء بواحد من الثلاثة فقال: قد أثبت هذا أحلفه أيضا عليه عدة ما يلزمه من الأيمان، فإن كان هذا الوارث وحده أحلفه خمسين يمينا لقتله مع هؤلاء الثلاثة، فإن كان يرث النصف فنصف الأيمان، ولم تعد عليه الأيمان الأولى، ثم كلما أثبت


(١) بداية المجتهد ج٢ ص٤٣٢. .
(٢) الأم ج٦ ص٧٥. .