للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أحدا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا من صحة روايته، وقد أخبرني غير واحد من أهل العلم عن يحيى بن أبي أنيسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن أبي ذئب، اهـ. قلت: والحديث الذي أشار إليه هو:

قال الشافعي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه (١)». فقد روى الشافعي هذا الحديث، مرسلا من طريق ابن أبي ذئب، ومتصلا مرفوعا من طريق ابن أبي أنيسة، فليس للقفال فيه دليل على ما ذكره حتى يقول بأنه حجة، ولا لمن يقول: " فهذا كلام الشافعي يدل دلالة قوية على ما ذكره القفال المروزي الذي نقله عنه النووي آنفا " (٢).

وذلك لأن الشافعي روى الحديث متصلا، ورواه مرسلا، ومن الطريق نفسه فهو عاضد له - كما مر في مرسلات كبار التابعين - والسنة قائمة في الحديث المتصل المرفوع أكثر من قيامها بالحديث المرسل. وقد نص الشافعي على أن المرسل ضعيف لا تثبت الحجة به ثبوتها بالمتصل، ما لم يعضده مسند صحيح، وهذا أكبر دليل على العاضد المسند من نفس طريق المرسل كما ذكره الشافعي في أول شروط مرسل كبار التابعين.

نعم، ذكر ميزة لمرسلات سعيد لا توجد عن غيره ممن أرسل، ومع هذا فلا يخرج مرسله عن مرسلات كبار التابعين عن القيود والشروط التي وضعها فقوله: " فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعة " يوضح أن مرسله كمرسل غيره من كبار التابعين الذين كانوا كحاله رحمه الله، ولهذا قال الإمام النووي: ومذهب الشافعي: إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وبان بذلك صحته، وذلك بأن يروي مسندا أو مرسلا من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة رضوان الله عليهم أو أكثر العلماء، سواء عنده في هذا مرسل سعيد بن المسيب وغيره (٣)، اهـ، قلت: وعلى هذا: فالحديث الذي ذكره الشافعي في بيع اللحوم بالحيوان يصلح مثالا لقسم المرسل المقبول، فقد عضده قول صحابي وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وذكر السيوطي أن له شاهدا مرسلا آخر، أرسله من أخذ العلم عن غير رجال الأول، وشاهد آخر مسندا، فقال: وروى البيهقي في المدخل من طريق الشافعي: عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة قال: قدمت المدينة فوجدت جزورا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءا، فقال لي الرجل من أهل المدينة: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع حي بميت»، فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرا، قال البيهقي فهذا حديث أرسله ابن المسيب، ورواه القاسم بن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة مرسلا، والظاهر أنه غير سعيد؛ فإنه أشهر من ألا يعرفه القاسم بن أبي بزة المكي حتى يسأل عنه. قال: وقد روينا من حديث الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم،


(١) الأم ٣: ١٦٤ والحديث رواه أيضا الأوزاعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وأبو داود والبزار والدارقطني.
(٢) انظر الحديث المرسل ص ٤٠.
(٣) شرح البخاري للنووي ص ١١.