للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الاقتصادي الذي تضار الأمة، من وهنه أو توقفه، أشد الضرر حيث لا يغني عنه جهد القلة من الأغنياء، أن صار النشاط دولة بينهم. وبهذا الرشد لا تقتصر قدرة الأفراد على تدبير أموالهم الخاصة، بل تقوى على المشاركة في تدبير الأموال العامة ومراقبة إنفاقها في حاجات الأمة، حتى كفاية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

والدولة التي تعمد إلى الاقتراض من أفرادها بالربا، وإن أخفته تحت أسماء أخرى، لا تصيب رعاياها في أنفسهم بانحراف المرابين فحسب، بل هي بما تغريهم به من منافع خاصة في زيادة ربا أموالهم، تلفتهم عن الاهتمام برشد إنفاقها العام، وبجدوى مشروعاتها الاقتصادية، ويوهن الربا من هيمنة الرقابة الشعبية على مالية الأمة.

ونجد أمتنا في جهادها الكبير للمشركين، من قبل أن تفتح لها الفتوح وترث الممالك، كانت في ضائقة مالية شديدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا كثيرة لا يجد ما يحمل عليه بعض المجاهدين في سبيل الله، فكان يردهم ولا يلجأ إلى الاقتراض بالربا، وكان ميسورا في سوق المال يومئذ، وخاصة لدى اليهود. ففرض الجهاد على خطره لا يسبق حرمة الربا، ولا يبيح تجهيز الجيوش للدولة أن تأكل الربا، لأن في منعه إحياء لأهلها في أنفسهم وأموالهم بما لا تقل خطورته عما يحققه الجهاد، وليس الربا هو السبيل الوحيد لموارد الإنفاق على القتال، وما استطاع اليهود أن يتسللوا برباهم إلا من بعد أن وهنت الدولة العباسية من بذخها، على سعة أقطارها وكبر دخلها، وزين الجهابذة اليهود لخلفائها الاستدانة منهم وارتهنوا مواردها (١).

ولم تعصمها قروضهم الربوية من الإملاق والانهيار.

وفي جانب المدين، يقصد تحريم الربا إلى أن يسلك بالمحتاج الذي لا يجد منفقا عليه، سبيل التجارة الآجلة التي يرزق منها العاملون في الأسواق، فيكثر التجار وينمو النشاط الجاد، الذي لا يذر في مجاله إلا من يقوم على أعمال الإنتاج وتداول السلع، ويضمن مخاطر عمله. وكذلك من يستدين، ابتغاء رأس مال يتاجر فيه، أو يحدث صناعة به، إذ لا يأتي الربا، ويضارب رب المال الذي رغب عن إقراضه، يجد بالمضاربة من مخاطر النشاط الذي يقدم عليه وعواقب ما يحتمل من خسره، فإن المضارب لا يحمل من الخسارة في رأس المال المستغل فوق ما يصيبه من ضياع عمله كله، ولا يكلفه هذا التأمين من الخسارة إلا مقابلا يسيرا، هو نزوله عن الحرص على الاستثمار بما يستحقه صاحب رأس المال فيما يحتمل من زيادة الأرباح المحققة على مقدار الربا المتفق عليه، والمضارب بهذا النزول لا يكسب ود رب المال فحسب، بل يستدر عونه ويجتذب حوافزه للاهتمام بالاستثمار والسعي إلى أقصى ما ينجحه، ليزيد ما يعود على المال من ثمراته وتتجلى حقيقة هذه الحكمة فيما يحدثه الربا من إملاق المدين، ولا يختص هذا الإملاق بالأفراد، إذ يحفل التاريخ بما ترك الربا من خزائن خاوية للدول التي ادانت به في مختلف العصور وأحدثها حال البلاد المتخلفة اقتصاديا التي ابتغت التنمية من اقتراض رءوس الأموال التي أعوزتها بالربا، فلم تصب تقدما تواكب به العصر ولم تستطع وفاء ما اقترضت ولا رباه، وبقيت


(١) دائرة المعارف الإسلامية، مادة جهبذ، ج١٢ ص٤٤٣