للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد قال الغزالي - بعد أن بين ذلك: ومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة، وليس ذلك من القياس في شيء، بل الواجب استقبال جهة القبلة وهو معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة، فإنه يعلم بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظن عند تعذر اليقين، وكذلك حكم القاضي بقول الشهود ظني، لكن الحكم بالصدق واجب وهو معلوم بالنص، وقول العدل صدق معلوم بالظن وأمارات العدالة، والعدالة لا تعلم إلا بالظن.

ثم قال-رحمه الله-: فلنعبر عن هذا الجنس بتحقيق مناط الحكم، لأن المناط معلوم بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعذرت معرفته باليقين فاستدل عليه بأمارات ظنية.

ثم قال: وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسا، وكيف يكون مختلفا فيه وهو ضرورة كل شريعة؟! لأن التنصيص على عدالة الأشخاص، وقدر كفاية كل شخص محال: فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم) (١).

وقد تبعه الموفق ابن قدامة فيما قال.

وأما صاحب جمع الجوامع - فقد عرفه: بأنه إثبات العلة في آحاد صورها: كتحقيق أن النباش سارق بأنه وجد منه أخذ المال خفية - وهي السرقة: فيقطع خلافا للحنفية (٢).

وبنحوه عرفه الأسنوي في شرح المنهاج (٣).

وعلى كل حال فهو عمل من أعمال المجتهد: فالمجتهد ينظر -أولا- في تعرف علة الحكم الذي لم يعلل وغيرها من بين أوصاف المحل، ويثبتها بمسلك من مسالك التعليل، وهذا من (تخريج المناط).

ثم يقوم بتحقيق العلة في الفرع وإقامة الدليل على وجودها فيه، وذلك (تحقيق المناط).


(١) انظر المستصفى: (٢/ ٢٣١).
(٢) انظر بهامش الآيات البينات: (٤/ ١١٤).
(٣) راجع شرح الأسنوي مع تعليقات بخيت: (٤/ ١٤٣).