للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالثَّانِي: أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ عَمِلَ عَلَيْهِ إِمَامَانِ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَرَّمَ اللَّهُ وجهيهما، ولم يعملا على رواية علي عليه السلام وَابْنِ حَزْمٍ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا اتُّفِقَ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ: خَمْسُ شِيَاهٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ مُجْمَعٌ عَلَى العمل به.

فإن قيل: لما خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الزكاة بأن كتبها في صحيفة دون سائرها من الْفُرُوضِ، مِنَ الصَّلَاةِ وَمَوَاقِيتِهَا، وَالصِّيَامِ وَأَحْكَامِهِ، وَالْحَجِّ ومناسكه، ولا اقتصر على القول كَمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ.

قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ ونصبها، ومقاديرها، الواجب فِيهَا وَأَسْنَانَ الْمَأْخُوذِ مِنْهَا، لَمَّا طَالَ وَصَعُبَ احْتَاجَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، دُونَ سَائِرِهِمْ، فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، بِخِلَافِ الْفُرُوضِ الْمُتَرَادِفَةِ عَلَى الْكَافَّةِ، أَوْدَعَ ذَلِكَ كِتَابًا لِيَكُونَ أَحْفَظَ لَهُ، وَأَضْبَطَ، فَكَانَتْ نُسْخَةُ ذَلِكَ فِي قِرَابِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ، أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَخَذَهَا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَكَانَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ مَاتَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَمِلَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مدة حياته.

فَصْلٌ

أَوَّلُ مَا ابْتَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي نُسْخَتِهِ أَنْ كَتَبَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِثْبَاتِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ، وَدَلَّ عَلَى نَسْخِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ، مِنْ قَوْلِهِمْ بِاسْمِكِ اللَّهُمَّ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بحمد الله تعالى فهو أبتر " يريد لمن يبدأ فيه بحمد اللَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ قَالَ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ، فَبَدَأَ بِإِشَارَةِ التَّأْنِيثِ، لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهَا مُؤَنَّثًا، وَقَوْلُهُ فَرِيضَةُ، يَعْنِي نُسْخَةُ فَرِيضَةِ الصَّدَقَةِ، فَحَذَفَ ذكر النسخة وأقام الفريضة مَقَامِهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أبو حنيفة ثُمَّ قَالَ: الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي: الَّتِي قَدَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، كَمَا يُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ أَيْ قَدَّرَهَا، بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا، فَكَانَ فِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدرها، ثم أكد ذلك ما روي عن ضمام بن ثعلبة أَنَّهُ قَامَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: فمن يسألها فَلْيُعْطِهَا، يُرِيدُ مَنْ سَأَلَكُمُ الزَّكَاةَ مِنَ الْوُلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَثْبَتُّهُ، وَكَانَ عَدْلًا، فَأَعْطُوهُ ثم قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ " يُرِيدُ مَنْ

<<  <  ج: ص:  >  >>