للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْحَرْبِ وَحُكْمِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالْمَنْجَنِيقِ، فَذَلِكَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.

فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ فِي إِحْدَى حَالَتَيْنِ جَازَ أَنْ يُرْمَوْا بِهِ، وَتُلْقَى عَلَيْهِمُ النَّارُ:

إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ بِذَلِكَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، قَصْدًا لِكَفِّهِمْ عَنْهُ لَا لِمُقَاتَلَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يُبِيحُ الظُّلْمَ، لكن يستدفع الظلم بما أمكن.

والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُحِيطُوا بِأَهْلِ الْعَدْلِ وَيَخَافُوا اصْطِلَامَهُمْ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْمُوهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَيُلْقُوا عَلَيْهِمُ النَّارَ طَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِنْهُمْ لَا قَصْدًا لِاصْطِلَامِهِمْ.

[(مسألة)]

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى بِلَادٍ فَأَخَذُوا صَدَقَاتِ أَهْلِهَا وَأَقَامُوا عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ لَمْ تَعُدْ عَلَيْهِمْ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا تَغَلَّبَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَأَخَذُوا صَدَقَاتِهَا وَجَبَوْا خَرَاجَهَا وَأَقَامُوا الْحُدُودَ عَلَى أَهْلِهَا، أَمْضَى الْإِمَامُ مَا فَعَلُوهُ إِذَا ظَهَرَ عَلَى بِلَادِهِمْ وَلَمْ يُطَالِبْ بِمَا جَبَوْهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَلَمْ يُعِدْ مَا أَقَامُوهُ من الحدود. لأن علياً - رضوان الله عليه - أَمْضَى ذَلِكَ وَلَمْ يُطَالِبْ بِهِ.

وَلِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ فِي جِبَايَتِهِ وَإِقَامَتِهِ.

وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ عَامٍ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يُقَامُ عَلَى زان حدين.

فَإِنِ ادَّعَى أَصْحَابُ الْحُدُودِ إِقَامَتَهَا عَلَيْهِمْ: قُبِلَ قَوْلُهُمْ فِيهَا، وَلَمْ يُحْلَفُوا عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا حُدُودٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.

فَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْحُقُوقُ دَفْعَهَا إِلَيْهِمْ.

فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً: قُبِلَ قَوْلَهُمْ فِي دَفْعِهَا وَلَمْ يُكَلَّفُوا الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ فِيهَا أُمَنَاءُ.

فَإِنِ اتُّهِمُوا: أُحْلِفُوا، وَفِي يَمِينِهِمْ بَعْدَ اعْتِرَافِهِمْ بِوُجُوبِهَا وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، إِنْ نَكَلُوا عَنْهَا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ.

وَالثَّانِي: إنَّهَا وَاجِبَةٌ، إِنْ نَكَلُوا عَنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِالِاعْتِرَافِ الْمُتَقَدِّمِ دُونَ النُّكُولِ.

وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي ادَّعَوْا أَدَاءَهُ جِزْيَةً أَوْ خَرَاجًا:

فَإِنْ كَانَ عَلَى كَافِرٍ: كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ الْجِزْيَةَ أُجْرَةٌ، وَالْخَرَاجَ إِمَّا

<<  <  ج: ص:  >  >>