للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ حَالَتَيْ مَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ، فَهُوَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ حَالَتَيِ الْقُدْرَةِ، وَالْعَجْزِ فِي الذَّكَاةِ مُطَّرَحَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهْمَا أَحَقُّ، كَالصَّيْدِ لَمَّا اخْتَلَفَتْ ذَكَاتُهُ، فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ اخْتَلَفَ بِهَا حُكْمُ الْجِنْين فامتنع الجمع.

وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْعَقْرَ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مُعْتَبَرٌ وإنما يختلفان بالقدرة والعجز في اختلاف الْمَحَلِّ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَقْرَ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، وَهُوَ ذَبْحُ الْأُمِّ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَتِ الذَّكَاةُ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْعَقْرُ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهِيَ مُتَعَذَّرَةٌ فِي الْجَنِينِ، فَسَقَطَتْ بِالْعَجْزِ كَمَا سَقَطَتْ في الحوت والجراد، ولم تسقط فِي الصَّيْدِ؛ لِإِمْكَانِهِ فِيهِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ إِبَاحَةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أن يَكُونَ كَامِلَ الصُّورَةِ تَجِبُ فِيهِ الْغِرَّةُ، وَتَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، فَهَذَا مَأْكُولٌ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَقَةً لَا تَجِبُ فِيهِ الْغِرَّةُ، ولا يصير به أم ولد، فهذا غير مَأْكُولٌ؛ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ دَمٌ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُضْغَةً قَدِ انْعَقَدَتْ لَحْمًا لَمْ تُشَكَّلْ أَعْضَاؤُهُ، وَلَمْ تَبِنْ صُورَتُهُ، فَفِي إِبَاحَةِ أَكْلِهِ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي وُجُوبِ الْغِرَّةِ وَكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ:

أَحَدُهُمَا: يُؤْكَلُ إِذَا جَرَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْوَلَدِ.

وَالثَّانِي: لَا يُؤْكَلُ إِذَا سَلَبَ حُكْمُ الْوَلَدِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ أُكِلَ، وَإِنْ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِهِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى خَلْقِهَا فِيهِ بِتَخْطِيطِ صُورَتِهِ وَتَشَكُّلِ أَعْضَائِهِ، والله أعلم.

[باب كسب الحجام]

[(مسألة:)]

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا بَأْسَ بِكَسْبِ الْحَجَّامِ فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - السَّائِلَ عَنْ كَسْبِهِ وَإِرْخَاصِهِ فِي أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ وَنَاضِحَهُ؟ قِيلَ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا واحدٌ وهو أن للمكاسب حسناً ودنيئاً فكان كسب الحجام دنيئاً فأحب له تنزيه نفسه عن الدناءة لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه فلما زاده فيه أمره أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه تنزيهاً له لا تحريماً عليه وقد حجم أبو طيبة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فأمر له بصاع من تمرٍ وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ولو كان حراماً لم يعطه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه

<<  <  ج: ص:  >  >>