للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَنْتَ " فَحُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونَ خَطِيبًا، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ لِيَصِحَّ اقْتِرَانُ الِاسْمِ بِهِ، كما نهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ فَسَمَّاهُ نِكَاحًا لِيُلْحِقَ الْفَسَادَ بِهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَفِيهِ جَوَابَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُرْتِجَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خُطْبَةِ الْبَيْعَةِ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً.

وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ: فَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ بِهِمَا، فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْإِحْرَامِ: انْعِقَادُ الصَّلَاةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْخُطْبَةِ: الْمَوْعِظَةُ، وَبِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَا يَكُونُ وَاعِظًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الذِّكْرَ لَا يُجْزِئُ فَلَا بُدَّ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ: حَمْدُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ أَقَلُّ الْخُطْبَةِ كَأَقْصَرِ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: إِنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَوَعَظَ، أَجْزَأَهُ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَقَاوِيلَ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَكْثَرُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ مُجْمَلٌ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ مُفَسَّرٌ. وَأَمَّا الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ فَتَجْمَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ أَيْضًا: حَمْدُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَدَلًا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى.

وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ خُطْبَةَ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَتْ تَجْمَعُ الْحَمْدَ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والوعظ، والقراءة في احديهما وَالدُّعَاءَ فِي الْأُخْرَى، فَاقْتَصَرْنَا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَخِيرَةِ بِآيَةٍ، لِتَكُونَ مُمَاثِلَةً لِلْأُولَى، وَيَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَةِ جَازَ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأَخِيرَةِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَى جَازَ، فَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ عَلَى جَوَازِهِ فَقَالَ: وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى أَوْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى أَوْ قَرَأَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَأَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا أَجْزَأَهُ.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّمَ بَعْضَ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى بَعْضٍ أَجْزَأَهُ، لَأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهَا غَيْرُ وَاجِبٍ. نَصَّ عليه الشافعي.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الطَّهَارَةُ لِلْخُطْبَةِ فَمَأْمُورٌ بِهَا، فَإِنْ خَطَبَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَفِي إجزائه قولان:

<<  <  ج: ص:  >  >>