للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَبَايَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ أَجْلِهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ ذِي الْعَشِيرَةِ الْمَانِعَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الرَّدِّ.

وَمِثْلُهُ مَا قُلْنَاهُ: فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا بِعَشِيرَتِهِ إِذَا أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَضْعَفًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ، فَصَارَ الرَّدُّ مَقْصُورًا عَلَى طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الممتنعة بيوتها لقوتها والمنع الرَّدِّ مُشْتَمِلًا عَلَى طَائِفَتَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ النِّسَاءِ مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ، وَالْمُسْتَضْعَفَاتِ.

وَالثَّانِي: الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ إِذَا وَصَفُوا الْإِسْلَامَ عِنْدَ الْمُرَاهَقَةِ مَمْنُوعُونَ مِنَ الرَّدِّ، وَإِنْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، فَجَعَلَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَذَهَبَ جَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، وَمَنْصُوصِهِ فِي سَائِرِ كُتُبِهِ أَنَّ إِسْلَامَهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ رَدِّهِ اسْتِظْهَارًا لِدِينِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَا هُوَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.

فَإِنْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ رُدَّ إِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا، وَلَمْ يُرَدَّ إِنْ كَانَ مُسْتَضْعَفًا، وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ حُمِلَ عَلَى هُدْنَةِ قَوْمِهِ.

فَلَوْ شَرَطَ فِي الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَهُ يَقْتَضِي عُمُومَ الرَّدِّ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ، وَمِمَّنْ لا يجز أَنْ يُخَصَّ عُمُومُهُ بِالْعُرْفِ فِيمَنْ يَجُوزُ رَدُّهُ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا التَّفْصِيلُ، فَالْكَلَامُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: فِي النِّسَاءِ.

وَالثَّانِي: فِي الرِّجَالِ.

فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي النِّسَاءِ، فَلَيْسَ لَهُنَّ إِلَّا حَالٌ وَاحِدَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ رَدِّهِنَّ، فَإِذَا مَنَعَ الْإِمَامُ مِنْهُ نُظِرَ فِي الطَّالِبِ لَهُنَّ:

فَإِنْ كَانَ غَيْرَ زَوْجٍ مِنِ ابْنٍ أَوْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ، فَلَا شَيْءَ لَهُ إِذَا امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَنْ بُضْعِهَا بَدَلًا.

وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ لَهَا زَوْجَهَا قِيلَ لَهُ: إِنْ أَسْلَمْتَ فِي عِدَّتِهَا كُنْتَ عَلَى نِكَاحِكَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ مُنِعْتَ مِنْهَا، وَنُظِرَ فِي مَهْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهَا لَمْ يَرْجِعْ به، وإن دفعه إليها، فعنى رُجُوعِهِ بِهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي امْتِنَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ رَدِّهِنَّ، هَلْ كَانَ لِنَسْخٍ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَوْ كَانَ مَعَ تَقَدُّمِ الْحَظْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ رَدَّ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ هُدْنَتِهِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا فِي مَنْعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ لم يطالب

<<  <  ج: ص:  >  >>