للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله تعالى. سأل رجلٌ سالماً فقال ألم يكن ابن عمر يدفعها إلى السلطان؟ فقال: بلى، ولكن أرى أن لا يدفعها إليه ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ، فَقَدْ قَالَ أصحابنا وهي جَارِيَةٌ مَجْرَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي، لَكِنْ عُرْفُ السَّلَفِ جَارٍ بِتَوَلِّي النَّاسِ تَفْرِيقَهَا بِنُفُوسِهِمْ، فَإِنْ كَانَ وَالِيَ الْوَقْتِ جَائِرًا لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا وجب على قوله القديم دفعها إليه، واستحب ذلك لَهُ عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظاهرة، فأما زكاة الفطرة فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ تَفْرِيقُهَا بِنَفْسِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَطْرَحَهَا عِنْدَ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ فَاحْتَمَلَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَالِي نَزِهًا فَقَدْ أَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَطَاءً عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ادْفَعْهَا إِلَى الْوَالِي فَجَاءَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أخرجها بِنَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَإِنَّ عَطَاءً أَمَرَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَى الْوَالِي فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَفْتَاكَ الصَّالِحُ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ لَا تَدْفَعْهَا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا يُعْطِيهَا هِشَامٌ حَرَسَهُ، وَبَوَّابَهُ وَمَنْ شاء مِنْ غِلْمَانِهِ.

وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَالِمًا فَقَالَ: أَحْمِلُ صَدَقَتِي إِلَى السُّلْطَانِ فَقَالَ: لَا فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عُمَرَ يَدْفَعُهَا فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَا أَرَى أَنْ تَدْفَعَهَا إِلَيْهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَحَبَّ ذَلِكَ عَلَى كل حال، وهذا يدل على أنه أجزأه مَجْرَى الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ وَأَوْلَى عِنْدِي.

فَصْلٌ

: قَدْ ذَكَرْنَا وَقْتَ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَأَمَّا وَقْتُ إِخْرَاجِهَا فَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي فِعْلِهِ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ أَنْ يُطْعِمَ قَبْلَ خروجه لصلاة العيد، فأمر له تفريقها فِي الْفُقَرَاءِ لِيَطْعَمُوا مِنْهَا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلِذَلِكَ أُمِرَ الْإِمَامُ بِتَأْخِيرِ صَلَاةِ الْفِطْرِ لِاشْتِغَالِ الْأَغْنِيَاءِ بِتَفْرِيقِهَا، وَاشْتِغَالِ الْفُقَرَاءِ بِأَخْذِهَا فَإِنْ قَدَّمَهَا قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ أَحَدُ سَبَبَيْ وُجُوبِهَا فَإِنْ أخرها عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ كَانَ مُسِيئًا آثِمًا، وَكَانَ بِإِخْرَاجِهَا فِيمَا بَعْدُ قَاضِيًا، وَلَكِنْ لَوْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ يَوْمِهِ أَجْزَأَهُ، وَكَانَ مودياً لا قاضياً.

<<  <  ج: ص:  >  >>