للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الوجه الثالث: الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم.]

قال السكاكي: إنه ليُدرك طيب النغم العارض للصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة، إلا بإتقان علمَي المعاني والبيان والتمرين فيهما. (١)

قال الزركشي: فمن الإعجاز الروعة التي للقرآن في قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقر والجاحد. ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًّا طريًا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين. (٢)

ونريد بنظام القرآن الصوتي اتساق القرآن وائتلافه في حركاته، وسكناته، ومدّاته، وغُنّاته، واتصالاته، وسكتاته اتساقًا عجيبًا، وائتلافًا رائعًا، يسترعي الأسماع، ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور. وبيان ذلك: أن من ألقى سمعه إلى مجموعة القرآن الصوتية وهي مرسلة على وجه السذاجة في الهواء مجردة من هيكل الحروف والكلمات؛ كأن يكون السامع بعيدًا عن القارئ المجود؛ بحيث لا تبلغ إلى سمعه الحروف والكلمات متميزًا بعضها عن بعض، بل يبلغه مجرد الأصوات الساذجة المؤلفة من المدّات، والغُنّات، والحركات، والسكنات، والاتصالات، والسكتات. نقول: إن من ألقى سمعه إلى هذه المجموعة الصوتية الساذجة، يشعر من نفسه ولو كان أعجميًا لا يعرف العربية؛ بأنه أمام لحن غريب وتوقيع عجيب، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى وترنيم الشعر؛ لأن الموسيقى تتشابه أجراسها، وتتقارب أنغامها فلا يفتأ السمع أن يملّها، والطبع أن يمجها؛ ولأن الشعر تتّحد فيه الأوزان وتتشابه القوافي في القصيدة الواحدة غالبًا، وإن طالت على نمط يورث سامعه السأم والملل، بينما سامع لحن القرآن لا يسأم ولا يمل؛ لأنه يتنقل فيه دائمًا بين ألحان متنوعة، وأنغام متجددة، على أوضاع مختلفة، يهزّ كلّ وضع منها أوتار القلوب وأعصاب الأفئدة.

وهذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعي، هو أول شيء أحسَّته الآذان العربية أيام نزول القرآن، ولم تكن عهدت مثله فيما عرفت من منثور الكلام، سواء أكان مرسلًا أم


(١) الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٣١٧ - ٣٢٠.
(٢) البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٠٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>