للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

استمروا على التكذيب والجحود، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم.

الوجه الثاني في تقرير هذا الجواب: أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: ٦، ٧] وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة؛ إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية، وقوله: {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة، والله أعلم. (١)

[الوجه الثالث: آية الإسراء أظهرت العلة من عدم إنزال الآية التي طلبوها.]

قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)} [الإسراء: ٥٩].

قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذبة سألوا ذلك مثل سؤالهم، فلما أتاهم ما سألوا منه كذبوا رسلهم، فلم يصدقوا مع مجيء الآيات فعوجلوا، فلم نرسل إلى قومك بالآيات؛ لأنَّا لو أرسلنا بها إليها فكذبوا بها سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (٢)

قال ابن كثير: قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ} أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك؛ فإنه سهل علينا، يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها كما قال الله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ


(١) تفسير الفخر الرازي (١٧/ ٦٤).
(٢) تفسير الطبري (١٥/ ١٠٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>