للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٢ - فانتقال الكلام من أسلوب لأسلوب آخر كانتقال الحديث من الفرد إلى الجنس؛ ففي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} يقول علماء البلاغة: إن هذا انتقال من الفرد إلى الجنس، أي: من جنس هذه النجوم، فجزء ملتهب منها قد يكون بقدر الحصاة الصغيرة مثلًا يصيب الشياطين، وليس المقصود أن النجم كله يجرى وراء الشيطان فهذا مستحيل.

وهذا كما في قوله تعالى عند الحديث عن الإنسان: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)} فهنا انتقل الحديث من الفرد الذي هو آدم -عليه السلام- إلى الجنس وهم بنو آدم الذين خلقوا من نطفة (١).

[الوجه التاسع: الآية توضح اتصال أمر من السماء بأمر من الأرض.]

فللرد على مَنْ قال: لماذا جعل اللَّه الشياطين تسترق السمع أليس هو قادر على أن يمنعهم بلا حاجة إلى شهب لحرقهم؟ نقول:

١ - السموات السبع بما فيها من الملائكة محفوظة من الشياطين؛ فإن اللَّه طرد إبليس منها، فلم يجعل اللَّه له سلطانًا على السموات ولا على أي أمر يحدث فيها، ولكن جعل اللَّه لإبليس وجنوده سلطانًا على المنحرفين (من أهل الأرض) عن شريعة اللَّه التي أنزلها من السماء على أنبيائه، والشياطين لهم صولات وجولات في أنحاء الأرض، بل وفي السماء الدنيا (التي بها الكواكب والنجوم).

٢ - هناك فارق بين سماع الشياطين لما تتكلم به الملائكة، وبين أن الشياطين لها سلطان على أن تسمع. ففي هذه الحالة يعتبر الشيطان كالسارق (سارق للسمع) الذي يستمع إلى الملك أثناء حديثه للوزراء، مع أن الملك يعلم ذلك، ولكنه يريد أن يخدع السارق والذين هم وراء هذا السارق بعدة أمور:

أولًا: أن السارق لو سمع فإنه يسمع عدة كلمات فلا يفهم هذا الكلام مندرج تحت أي سياق، فلربما يتحدث الملك فيذكر كلمتي (معركة - حرب) وهو يقصد تلك المعركة التي


(١) تفصيل هذا في كتاب: البرهان في إعجاز القرآن للزركشي ٣/ ٣٣٠؛ الرابع: (الانتقال) من الخطاب إلى الغيبة.

<<  <  ج: ص:  >  >>