للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يحمد عليها الرب سبحانه ويثنى عليه بها وهو موجب حكمته وعزته (١).

فالمذنبين ليس لهم من يلجأون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حقِّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)} فرتَّب توبته عليهم على ظنِّهم أنْ لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خاف من مخلوقٍ، هرب منه، وفرَّ إلى غيره، وأمَّا من خاف من الله، فما له منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهرب يهربُ إليه إلَّا هو، فيهرُب منه إليه، كما كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه: "لا ملجأ ولا مَنجَا منك إلَّا إليك" (٢).

[الوجه الرابع: إن لم يتب الله على الإنسان ويغفر له ذنوبه هلك.]

إن الصبر غاية كل أحد من ولد آدم وكماله، فليس للعبد كمال بدون التوبة البتة، فإنه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها ويق العبد من ذلك وإلا ضرته آثارها ولا بد، فإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما يصلح به النفس وتصير عالمة بالحق عاملة به وإلا خسر والمغفرة تمنع الشر والرحمة توجب الخير والرب سبحانه إن لم يغفر للإنسان فيقيه السيئات ويرحمه فيؤتيه الحسنات وإلا هلك ولا بد إذ عاد كما كان ظالما لنفسه ظلومًا بنفسه فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها وهي متحركة بالذات فإن لم تتحرك للخير تحركت إلى الشر فضرت صاحبها (٣).

فلو أن الرب تعالى خلق خلقه ممنوعين من العاصي غير قادرين عليها بوجه لم يكن لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهى والثواب والعقاب سبب يقتضيه ولا حكمة تستدعيه وفي ذلك تعطل الأمر جملة بل تعطيل الملك والحمد، والتكليف إنما يتم بإعطاء القدرة والاختيار والله تعالى قد أقدر عباده على الطاعات والمعاصي والصلاح والفساد وهذا الأقدار هو مناط الشرع،


(١) طريق الهجرتين لابن القيم (١٠٠).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢١٧).
(٣) طريق الهجرتين (١٠١).

<<  <  ج: ص:  >  >>