للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)} [يوسف: ٣].

قال ابن تيمية: {أَحْسَنَ الْقَصَصِ}: قيل: المعنى نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص كما يقال نكلمك أحسن التكليم، ونبين لك أحسن البيان. قال الزجاج: نحن نبين لك أحسن البيان. والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها، قال: وقوله: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} أي بوحينا إليك هذا القرآن، ومن قال هذا قال بما أوحينا إليك هذا القرآن.

وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: نَقْرَأُ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقِرَاءَةِ، وَنَتلُوا عَلَيْك أَحْسَنَ التِّلَاوَةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَنَ مَا يُقَصُّ، أَيْ أَحْسَنَ الْأَخْبَارِ الْمَقْصُوصَاتِ، كَمَا قَالَ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: ٢٣] وَقَالَ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: ١٢٢]. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى: {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} [القصص: ٢٥] وَقَوْلُهُ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: ١١١]، المُرَادُ خَبَرُهُمْ وَنَبَؤُهُمْ وَحَدِيثُهُمْ لَيْسَ المُرَادُ مُجَرَّدَ الْمَصْدَرِ. وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي الْمَعْنَى. (١)

[الوجه الرابع عشر: الإعجاز في ضربه للأمثال.]

[تعريف التمثيل.]

قال ابن تيمية: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ يُعَبَّرُ فِي اللُّغَةِ بِضَرْبِ الْمَثَلِ أَوْ بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ التَّعْبِيرُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِن اللُّغَةِ؛ لَكِنْ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْحُكْمِ كَأَمْثَالِ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَدْ قَالَ كَلِمَةً مَنْظُومَةً أَوْ مَنْثُورَةً لِسَبَبِ اقْتَضَاهُ فَشَاعَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى يُصَارَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ كُلِّ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لَهَا، فَكَأَنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ المثلية نُقِلَتْ بِالْعُرْفِ مِن الْمَعْنَى الْخَاصِّ إلَى الْعَامِّ، كَمَا تُنْقَلُ الْأَلْفَاظُ المُفْرَدَةُ فَهَذَا نَقْلٌ فِي الْجُمْلَةِ، مِثْلُ قَوْلهِمْ: "يَدَاك أَوْكَتَا وَفُوك نَفَخَ" هُوَ مُوَازٍ لِقَوْلِهمْ: "


(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>