للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وبهذا استل من يد الرجل هذا السلاح الرهيب الذي ييسر له إرهاق الزوجة، وتعذيبها، وابتزاز أموالها، إذا أرادت التخلص منه، فالإسلام لم يظهر في مجتمع لا يعرف الطلاق، وإنما ظهر في مجتمع لا يعرف الطلاق حدًا يقف عنده، ولا يهتم بما قد ينشأ عنه من عنت وإرهاق، فلم يحظر الطلاق؛ ولكنه حدده فجعل أقصاه ثلاث طلقات لا غير، وهذا في ضوء ما أمرنا إليه من آداب متعلقة في هذا الباب (١).

[٦ - الطلاق في شريعة موسى -عليه السلام-]

اعلم أيها المتكلم أن الطلاق كان موجودًا في شريعة موسى -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن قلت إنه نسخ بما جاء في شريعة عيسى -عليه السلام-، فقد اعترفت بالنسخ وعندئذ فلا مانع من كون التحريم في شريعة عيسى -عليه السلام- نسخ بشريعة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإن قلت لا نسخ كما تقول أنت وتعتقد، فيبقى الحال كما هو عليه في شريعة موسى -عليه السلام- من إباحة الطلاق، ومما يدل على هذا ما جاء في العهد القديم سفر التثنية إصحاح (٢٤/ ١ - ٣): إذا أخذ الرجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينية لأنه وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجه لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتعود له زوجه بعد أن تنجست لأن ذلك رجس لدى الرب.

فكما قلت إما أن تقر بالنسخ؛ فتكون قد اعترفت به، ولهذا تكون الشريعة المحمدية نسخت أشياء في الشريعة العيسوية ومنها الطلاق، وإما أن تنكر النسخ، فيكون الأمر على ما جاء في الشريعة الموسوية من إباحة الطلاق (٢).

وكما هو واضح في النص السابق أن اللَّه شرع لهم الطلاق، وجعله في يد الزوج، ولا يحتاج الطلاق في اليهودية إلا إلى إثباته أمام القاضي، وللرجل مطلق الحق في تطليق زوجته


(١) المرأة بين الدين والمجتمع (٣٤٠) وانظر تفسير المنار (٢/ ٣٨١).
(٢) لكن جاء فيه أن المرأة بعد الزواج الثاني قد تنجست مع أنه زواج صحيح فالحمد للَّه على نعمة الإسلام فالمسلمة لا تنجس حية ولا ميتة حتى لو تزوجت بزوج آخر فالحمد للَّه.

<<  <  ج: ص:  >  >>