للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(٣) ويجوز أن يكون المعنى على سبيل التهكم، كما قال تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} كأنه قيل له: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك، ومثل هذا الكلام قد يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال: نعتقك ولكن بعد الموت، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت (١).

ولعل في قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي: في تنصيص الآية على كلمة {بِبَدَنِكَ} ما يشير إلى أنه قد مات بعد أن أغرقه الله؛ لأنه لا تكون النجاة بغير البدن، فإذا نجا الإنسان فلا حاجة إلى القول (نجا ببدنه)، فلما نص تعالى على كلمة {بِبَدَنِكَ} علم أنه نجا البدن بغير روح، إذا كان جائزًا أن ينجيه بهيئته حيًا (٢).

[الوجه الثاني: الجمع بين الآيتين.]

وبعد أن عرضنا للمعاني المتنوعة للآية الأولى - وهي معانٍ متوافقة وليست متعارضة - يمكن الآن الجمع بين الآيتين:

فالأولى التي في سورة القصص: {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} تبين الغرق للجميع لفرعون وجنوده؛ وهو كذلك، وتؤيده الآية الثانية أن فرعون غرق مع الغارقين إلا أنه تميز عنهم بأنه نجا ببدنه بعد أن فارقته الروح، ولكن الآخرين لم يعثر لهم على أثر، وسبب نجاة بدن فرعون ذكرته الآية الكريمة: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} فكان في نجاة فرعون ببدنه ووجود بدنه إلى عصرنا هذا أكبر آية على قدرة الله تعالى وإهلاكه للظالمين، وفيه آية لمن اتعظ واعتبر.

وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلف في المدائن من قوم


(١) تفسير الرازي ١٧/ ١٥٧.
(٢) الطبري ١١/ ١٦٦، الرازي ١٧/ ١٥٦ بتصرف يسير.

<<  <  ج: ص:  >  >>