للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكل حي فمصيره إلى الموت لا محالة، طال عمره أو قصر، ولم يزعم أحد حين مات إنسان أن موته تغير في علم الله، أو أنه تعالى قد بدا له فأماته.

أفيقال إن النسخ يستلزم البداء أو العبث مع أنه لا جديد فيه بالنسبة لله - عز وجل -، ومع أن كلًا من الحكمين الأول والثاني قد شرع لحكمة، فكان هو الصواب، وهو المحقق للمصلحة في وقته؟ .

وحين يعالج الطبيب مريضًا، فيرى أن المرحلة التي يجتازها من مراحل مرضه يصلح لها دواء معين، فيصف له هذا الدواء وهو يعلم المدة التي سيتناوله في أثنائها، وأنه لا يصلح له بعد هذه المدة، ثم يصف له في المرحلة التالية الدواء الذي كان يعلم من أول الأمر أنه يصلح له في هذه المرحلة لا يوصف عادة بأن علمه قد تغير، أو أنه قد بدا له. فهل يسوغ أن نصف الله - عز وجل - بالبداء، لا لشيء إلا لأنه - وهو يَطِبُّ للنفوس من أدوائها - قد شرع في كل وقت ما يحقق المصلحة، وهو يعلم كل شيء قبل أن يقع؟ وهل يمكن أن يوصف بالعبث حكم لم يشرع إلا حين اقتضته الحكمة، وإن سبق في علم الله تعالى أزلًا أنه سيشرع؛ ليحل محل حكم آخر قد رُفع؟ ، سبحانه، وله المثل الأعلى! . (١).

الشبهة الرابعة: يقولون: لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكما بحكم، للزم على ذلك أحد باطلين: جهله جل وعلا، وتحصيل الحاصل.

وبيان ذلك أن الله تعالى إما أن يكون قد علم الحكم الأول المنسوخ على أنه مؤبد، وإما أن يكون قد علمه على أنه مؤقت. فإن كان قد علمه على أنه مستمر إلى الأبد، ثم نسخه وصيره غير مستمر؛ انقلب علمه جهلًا، والجهل عليه تعالى محال. وإن كان قد علمه على أنه مؤقت بوقت معين ثم نسخه عند ذلك الوقت؛ ورد عليه أن المؤقت ينتهي بمجرد انتهاء وقته، فإنهاؤه بالنسخ تحصيل للحاصل، وهو باطل.

والجواب على هذه الشبهة

الوجه الأول: أن النسخ لا يتعارض مع علم الله - عز وجل -.


(١) النسخ في القرآن د. مصطفى زيد (١/ ٣٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>