للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد كنا برهة خالين من ذلك التثقيل الأول ثم ثقلنا به، فما المانع من أن يعود علينا ثانية كما كان أولا وأن نزاد تثقيلا آخر أشد منه، ويكفي من هذا كله وجودنا ما لا سبيل لهم إلى دفع نسخه تعالى أشياء خفافا بأشياء ثقال.

فمن ذلك نسخه تعالى صيام يوم عاشوراء بصيام شهر رمضان، ونسخ إباحة الإفطار في رمضان، وإطعام مساكين - بدل ما يفطر من أيامه - بوجوب صيامه فرضًا على كل حاضر صحيح بالغ عاقل عالم بالشهر، ولزوم الصيام فيه، ونسخ سقوط الغسل عن المولج العامد الذاكر لطهارته بإيجاب الغسل عليه، ونسخ تعالى إباحة الكلام للمصلي بعد أن كان حلالا بتحريمه، وقد كان الكلام فيها فيما ناب الإنسان أخف بلا شك، ونسخ تعالى سقوط فرض الجهاد وبيعة المسلمين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء بإيجاب القتال، وحرم الخمر بعد إحلالها وقال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ}، فصح أنه تعالى حرم عليهم أشياء كانت لهم حلالًا وقد كان المنسوخ من كل ما ذكرنا أخف من الناسخ بالحس والمشاهدة.

وقد بين الله تعالى ذلك بإخباره أن في الخمر والميسر منافع للناس، فأبطل تعالى علينا تلك المنافع ولا يشك ذو عقل أن عدم المنفعة أثقل من وجودها، ونسخ تعالى الأذى والحبس عن الزواني والزناة والرجم والتغريب، ولا شك عند من له عقل أن الحجارة والسياط أثقل من السب والسجن (١).

الشبهة الرابعة عشر: قالوا بأن النسخ يتعارض مع قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} [الحجر: ٩] لأن الآية هنا تثبت الحفظ، وفي آية النسخ تثبت النسيان حيث يقول الله تعالى: {أَوْ نُنْسِهَا}.

والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:


(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٤٩٧: ٤٩٣)، وانظر: الفقيه والمتفقه (١/ ٢٥٠)، روضة الناظر (١/ ٢٥١)، الإحكام للآمدي (٣/ ١٢٥)، تفسير القرطبي (٢/ ٥٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>