للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شك وما سأل. وبهذا قال سعيد بن جبير والحسن وقتادة أنه ما شك وما سأل - صلى الله عليه وسلم -. (١)

وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط، لا توجب الفعل ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لما نزلت هذه الآية: (والله لا أشك) (٢).

[الوجه الثاني: أن هذا خطاب يناسب أسلوب العرب لأن القران بلسانهم نزل.]

قال الطبري في تتمة كلامه السابق:

فإن قال: فما وجه مخرج هذا الكلام إذنْ، إن كان الأمر على ما وصفت؟

قيل: هذا من استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه: (إن كنت مملوكي فانته إلى أمري) والعبد المأمور بذلك لا يشكُّ سيدُه القائل له ذلك أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: (إن كنت ابنِ فبرَّني)، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وأنّ ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهده، وأنّ منه قول الله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (سورة المائدة: ١١٦)، وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك. وهذا من ذلك، لم يكن شاكًّا في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى ذكره بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضًا، إذْ كان القرآن بلسانهم نزل.

الوجه الثالث: أن هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به من لم يكن آمن به حقا وإن أظهره بلسانه.

قال الطبري: ولو قال قائل: إن هذه الآية خوطب بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمراد بها بعضُ من لم يكن صحَّت بصيرته بنبوته - صلى الله عليه وسلم -، ممن كان قد أظهر الإيمان بلسانه، تنبيهًا له على موضع تعرف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه، كما قال جل ثناؤه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (الأحزاب: ١) كان قولا غيرَ مدفوعةٍ صحته. (٣)

الوجه الرابع: أن هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به تثبيت أمته.


(١) تفسير الطبري ٦/ ٦٠٩.
(٢) تفسير القرطبي ٨/ ٣٣٩.
(٣) تفسير الطبري ٦/ ٦٠٩ مع تصرف يسير.

<<  <  ج: ص:  >  >>