للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما الكفر والبدعة فأجمعت الأمة على عصمتهم منهما قبل النبوة وبعدها. ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم. (١)

خامسًا: عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكبائر:

جبل الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على كل خلق فاضل كريم قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فخلقه بأكرم السجايا، وجميل الأخلاق، وحسن الطوية وصفات الخير جميعها، كما نزهه عن كل ما يحط من قدره وينقص من منزلته، قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}، فهو - صلى الله عليه وسلم - منزه من كل ضلال وغواية، وقد كان من صيانة الله وحفظه له أن حماه من أقذار الجاهلية قبل مبعثه ونزول الوحي إليه، فهو معصوم عن كل ما يحط من قدره ويدق في شخصه ومما ورد في هذا الشأن من الأحاديث ما يلي:

عن جابر بن عبد الله: "أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أخي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا - صلى الله عليه وسلم -. (٢)

أما في خصوصه - صلى الله عليه وسلم - فإنا نورد الآتي: إنه مهما يكن من شيء فإن عصمته - صلى الله عليه وسلم - من الكبائر والصغائر بعد البعثة يجب القطع بها لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: ٢١)، لوجوب التأسي به وامتناع أن يكون فيه شيء من ذلك قطعًا.

أما قبل البعثة فالعصمة من الكبائر أيضًا يجب الجزم بها لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان في مقام التهيؤ للنبوة من صغره وقد شق صدره في سن الرضاع وأخرج منه حظ الشيطان، ثم إنه لو كان قد وقع منه شيء لأخذوه عليه حين عارضوه في دعوته ولم يذكر من ذلك ولا شيء. (٣)


(١) عصمة الأنبياء للرازي صـ ٢٦، الإحكام للآمدي ١/ ١٤٥، البحر المحيط للزركشي ٤/ ١٦٩، حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته في ضوء الكتاب والسنة ١/ ١٤٥ وانظر ما سبق.
(٢) البخاري (٣٦٤)، مسلم (٣٤٠).
(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٢/ ٢٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>