للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم، جعلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق، بدلوا سرابيل من قطران آخر (١).

قالوا: وأما جلود أهل الكفر من أهل النار فإنها لا تحترق؛ لأن في احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها، وفي فنائها رَاحتها. قالوا: وقد أخبر اللَّه تعالى ذكره عنها: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها. قالوا: وجلود الكفار أحد أجسامهم، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار، جاز ذلك في جميع أجزائها، وإذا جاز ذلك وجب أن يكون جائزًا عليهم الفناء، ثم الإعادة والموت، ثم الإحياء، وقد أخبر اللَّه عنهم أنهم لا يموتون! قالوا: وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم، والجلود أحدُ تلك الأجزاء.

وأما معنى قوله: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}، فإنه يقول: فعلنا ذلك بهم ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات اللَّه ويجحدونها (٢).

دحض افتراء من قال: كيف جاز أن يعذب جلدًا لم يعصه؟

ومع يقيننا بأن اللَّه تعالى لا يظلم أحدًا، وأنه تعالى أحكم الحاكمين؛ وهو عندنا متقرر، لكن هذا الأمر لم يصل إليه الزنادقة بعدُ فراحوا يطعنون في القرآن فقالوا: كيف جاز أن يعذب جلدًا لم يعصه؟

وأجيب عن هذا الطعن: بأن الجلد ليس بمعذب ولا معاقب؛ وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس؛ يدل عليه قوله تعالى: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} وقوله تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} (الإسراء: ٩٧)، فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح، ولو أراد الجلود لقال: ليذقن العذاب (٣).


(١) وقال ابن جزي: وهو بعيد. انظر التسهيل لعلوم التنزيل ١/ ٢٧٥.
(٢) تفسير الطبري ٨/ ٤٨٤ - ٤٨٧ بتصرف.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٥/ ٢٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>