للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أن خلق هذا الخليقة منافٍ للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك، ومن هذا قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهله. (١)

رابعًا: وصفوا ذرية آدم بهذا الوصف المذموم بمجرد الظن والتخمين، ونقول:

هذا الاعتراض كان من المفترض أن يكون هكذا: كيف علمت الملائكة أن آدم سيفسد في الأرض ويسفك الدماء؟

والجواب عن هذا السؤال من الصعب الجزم بإجابة معينة له؛ لأنه لم يرد نص صحيح يبين كيف علمت الملائكة أن الإنسان سيفسد في الأرض أو يسفك الدماء؟ فالسؤال موجه أيضًا للملائكة أنفسهم كتعقيب على ردهم، وكما سبق لا نستطيع الخوض في مثل هذه الأمور طالما أنه لم يرد النص على ذلك (٢).

وقد قالت العلماء من أهل التأويل في ذلك أقوالًا، ونحن نذكر أقوالهم في ذلك:

القول الأول: أنه بتوقيف من الله تعالى، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فهناك إضمار في الكلام تقديره أنه قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا ما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا، فقالوا ما قالوا.

وروي هذا القول عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة الكرام في خبر طويل (٣).


(١) المصدر السابق (١/ ٢٠٣).
(٢) الإنسان وبداية الكون لمحمود عبد الرازق (٧٥).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٤٥٨ رقم ٦٠٧)، والإسناد الذي جاء به هذا الأثر ضعفه الطبري نفسه فقال في ص ٣٥٤ من الجزء الأول عقب أثر آخر جاء بهذا الإسناد قال: (ولست أعلمه صحيحًا إذ كنت بإسناده مرتابًا)، وأعله أيضًا أحمد شاكر، وانظر بحثه حول هذا الإسناد (١/ ١٥٦ أثر رقم ١٦٨) و (ص ٣٤٨ أثر رقم ٤٥٢)، وقال ابن كثير: (ويقع فيه - يقصد في هذا الخبر - إسرائيليات كثيرة فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة أو أنهم أخذوا من بعض الكتب المتقدمة)، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>