للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الوجه الثاني: بيان معنى قوله، لم أجدها مع أحد غيره.]

أي: مكتوبة. لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. (١)

وقال الذركشي: فأما قوله وجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت ولم أجدها مع غيره، يعني: ممن كانوا في طبقة خزيمة ممن لم يجمع القرآن، وأما أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل فبغير شك جمعوا القرآن. (٢)

[الوجه الثالث: هذا لا يعني أنه أخذ القرآن بخبر الواحد.]

ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد، وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار، والوقوف عندما كتب بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وخزيمة - رضي الله عنه - لما جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة، وقد كان زيد يعرفهما، ولذلك قال: فقدت آيتين من آخر سورة التوبة، ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئًا أو لا؟ ، فالآية إنما ثبتت بالإجماع لا بخزيمة وحده. (٣)

قال الزرقاني: إن كلام زيد بن ثابت هذا - لم أجدها مع أحد غيره - لا يبطل التواتر، وبيان ذلك أن الآيتين ختام سورة التوبة لم تثبت قرآنيتهما بقول أبي خزيمة وحده؛ بل ثبتت بأخبار كثرة غامرة من الصحابة عن حفظهم في صدورهم، وإن لم يكونوا كتبوه في أوراقهم.

ومعنى قول زيد: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين لم أجدهما عند غيره؛ أنه لم يجد الآيتين اللتين هما ختام سورة التوبة مكتوبتين عند أحد إلا عند أبي خزيمة، فالذي انفرد به أبو خزيمة هو كتابتهما لا حفظهما، وليس الكتابة شرطا في المتواتر؛ بل المشروط فيه أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ولو لم يكتبه واحد منهم فكتابة أبي خزيمة الأنصاري كانت توثقا واحتياطا فوق ما يطلبه التواتر ويقتضيه فكيف نقدح في التواتر بانفراده بها؟


(١) التوضيح شرح الجامع الصحيح ٢٢/ ٤٤٣، ١٧/ ٣٨٣، فتح الباري ٨/ ٣٧٨، الإتقان للسيوطي ١/ ١٦٧.
(٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٢٣٩.
(٣) التوضيح شرح الجامع الصحيح ٢٢/ ٤٤١، تفسير القرطبي ١/ ٧٣، فتح الباري ٨/ ٦٣١، البرهان للزركشي ١/ ٢٣٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>