للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الوجه الثاني: كيف تم زواج زيد من زينب؟ ولماذا لم يتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أول الأمر؟]

أما عن كيفية إتمام الزواج فقد كان بأمر الله ورسوله؛ وقد سبق أن ذكرنا أن زيدًا كان مولىً، وكانت زينب سيدة شريفة، ولذلك لما خطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - لزيد أبدت عدم الموافقة مبدئيًا بقولها: أؤامر نفسي فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (الأحزاب: ٣٦) فلما نزلت الآية رجعت عن مشاورة نفسها وعظصت أمر الله ورسوله، ولو كان على خلاف هواها.

قال ابن كثير: عن ابن عباس: قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ} الآية، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل فانكحيه". قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} الآية، قالت: قد رضيته لي منكحًا يا رسول الله؟ قال: "نعم". قالت: إذًا لا أعصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قد أنكحته نفسي. (١)

قال السعدي: أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة {إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} من الأمور، وحتَّما به وألزما به {أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر الله ورسوله.

{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} أي: بَيِّنًا؛ لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة الله، إلى غيرها، من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولا السبب الموجب لعدم معارضته أمر الله ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو


(١) تفسير ابن كثير ٣/ ٦٤٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>