للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجعلناها ظنونًا ورجومًا بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون (١).

[الوجه الرابع: أصل الخلق شيء وطبيعة الملخلوق شيء آخر.]

الإنسان مخلوق من طين ومع ذلك لو أنه وقع عليه حجارة كبيرة من طين فإنها تؤدي إلى وفاته؛ مع أن تلك الحجارة مخلوقة من أصل ما خلق الإنسان منه، فلا نتعجب إذا وقع شهاب أو شواظ من نار على جان مخلوق من النار فتم إحراق هذا الجان بهذا الشهاب.

ولا يخفي أن خلق الجان من نار لا يلزم منه أن أشكالهم وهيئاتهم كالنار، فالبشر خلقوا من تراب وليسوا كذلك في أشكالهم، ولكن يؤخذ منه أن في الجن صفات من صفات النار كالخفة واللطافة، مثلما للبشر من صفات التراب كالثقل والكثافة.

قال الآلوسي: ولا يأبى تأثير الشهاب في كونهم مخلوقين من النار؛ لأنهم ليسوا من النار الصرفة كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها (٢).

قال الشبلي: قال أبو الوفاء بن عقيل في كتابه (الفنون): اعلم أن اللَّه تعالى أضاف الشياطين والجن إلى النار حسب ما أضاف الإنسان إلى التراب والطين والفخار، والمراد به في حق الإنسان أن أصله الطين، وليس الآدمي طينًا حقيقةً، ولكنه كان طينًا، كذلك الجان كان نارًا في الأصل؛ بدليل قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عرض لي الشيطان في صلاتي فخنقته حتى وجدت برد لعابه على يدي" ومَنْ يكون نارًا محرقةً كيف يكون لعابه أو ريقه باردًا أو له ريق أصلًا؟ ومما يدل على أن الجن ليسوا بباقين على عنصرهم الناري؛ قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن عدو اللَّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي"، وبيان الدلالة منه أنهم لو كانوا باقين على عنصرهم الناري لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما


(١) في الكشاف ٤/ ٥٧٧؛ (تبارك: ٥).
(٢) روح المعاني ٢٣/ ٧١؛ (الصافات: ٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>