للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} فإذا كان كلامه وحيا من عند الله عز وجل، والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز؛ لأن كل ذلك سواء في أنه وحي (١).

قال الشوكاني: ولا يخفاك أن السنة شرع من الله - عز وجل - كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وأمر سبحانه باتباع رسوله في غير موضع في القرآن فهذا بمجرده يدل على أن السنة الثابتة عنه ثبوتًا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع. (٢)

[المسألة الثانية: نسخ السنة بالقرآن.]

ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن. (٣)

وذهب الإمام الشافعي في رواية إلى أن السنة لا تنسخ بالقرآن، حيث قال في باب ابتداء الناسخ والمنسوخ: (لا يَنْسخ كتابَ الله إلا كتابُه كما كان المبتدئ لفرضه فهو المُزيلُ المثبت لِما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه) (٤).

وبهذا الكلام أخذ من نقل عن الشافعي أن السنة لا تنسخ بالكتاب. (٥)


(١) الإحكام لابن حزم (١/ ٥٠٥).
(٢) إرشاد الفحول (١٩١).
(٣) شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٥٩)، مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١٠٠).
(٤) الرسالة (١٠٦).
(٥) قال السبكي: قال إمام الحرمين (قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسنة وتردد في قوله في نسخ السنة بالكتاب) قلت: وهذا هو الذي قاله في (الرسالة) فإنه قال في باب ابتداء الناسخ والمنسوخ ما نصه: (ولا ينسخ كتاب الله إلا كتابه كما كان المبتدي بفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه) اهـ.
ثم قال ما نصه: (وهكذا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينسخها إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسن فيما حدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها) اهـ.
ومن صدر هذا الكلام أخذ من نقل عن الشافعي رحمه الله أن السنة لا تنسخ بالكتاب، وليس بجيد، وإنما مراد الشافعي رحمه الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سن سنة ثم أنزل الله في كتابه ما ينسخ ذلك الحكم فلا بد أن يسن النبي =

<<  <  ج: ص:  >  >>