للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالمعنى، وتجلية صورته كاملة، حمله ذلك على أن يخرج عن حد القصد في اللفظ راكبًا متن الإسهاب والإكثار حرصًا على أن لا يفوته شيء من المعنى الذي يقصده، ولكن ينذر حينئذ أن يسلم هذا اللفظ من داء التخمة في إسرافه وفضوله، تلك التخمة التي تذهب ببهائه، ورونقه، وتجعل السامع يتعثر في ذيوله، لا يكاد يميز بين زوائد المعنى وأصوله.

وإذا افترضنا أن بليغًا كُتب له التوفيق بين هاتين الغايتين وهما القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى في جملة أو جملتين من كلامه، فإن الكلال والإعياء لا بد لاحقًا به في بقية هذا الكلام، وندر أن يصادفه هذا التوفيق مرةً ثانيةً إلا في الفينة بعد الفينة، كما تصادف الإنسان قطعة من الذهب أو الماس في الحين بعد الحين، وهو يبحث في التراب أو ينقب بين الصخور.

[الوجه السابع: الإعجاز في التركيب (أي: تركيب مفردات القرآن الكريم)]

[بيان المقصود من الإعجاز في التركيب]

فالتراكيب العربية منها ما هو حقيقة ومجاز، ومنها متآلف الكلمات ومتنافرها، وواضح المعاني ومعقدها، وموافق للقياس اللغوي والخارج عليه، ومنها الإسمية والفعلية، والخبرية والإنشائية، وفيها النفي والإثبات، والإيجاز والإطناب، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل إلى غير ذلك مما هو مفصل في علوم اللغة وكتبها. (١)

قال الزملكاني: فوجه الإعجاز في هذا راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبًا وزنة، وعلت مركباته معنى بأن يوضع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى. (٢)

[الوجه الثامن: الإعجاز في النظم.]

فمعنى ذلك: أن القرآن خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر، مع كون حروفه في كلامهم، ومعانيه في خطابهم، وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيلٌ غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إن من


(١) مناهل العرفان في علوم القرآن ٢/ ٣٠٥.
(٢) الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٣١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>