للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا تعارض بين ما اختاره القراء من تقديم طريقة العرض على الشيخ وبين صنيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعليم أصحابه وإقرائهم ما نزل عليه وتلقي بعض التابعين عن طريق التلقين والسماع من الشيخ.

فأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء ومحاكاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ما سمعوا منه؛ لأنهم هم الذين نزل القرآن بلغتهم (١).

فلما فسد اللسان وغلبت العجمة، وتعذر مع التلقين أن يأتي الطالب للقراءة بالكيفية والهيئة التي سمع من الشيخ إلا بعد دربة ومران وجهد رجح علماء القراءات العرض على السماع.

قال ابن الجزري: ولا يجوز له أن يقرئ إلا بما سمع أو قرأ. فإن قرأ الحروف المختلف فيها أو سمعها؛ فلا خلاف في جواز إقرائه القرآن العظيم بشرط أن يكون ذاكرًا كيفية تلاوته به حال تلقيه من شيخه مستصحبًا ذلك.

[الثالث: الإجازة.]

وهي: إذْنُ الشيخ للطالب في الرواية عنه مروياته التي لم يقرأها ولم يسمعها منه (٢). وهي أنزل من طريقي العرض والسماع بلا خلاف.

قال ابن الجزري: جوز العمل بها الجعبري مطلقًا، قال: وعندي أنه لا يخلو إما أن يكون تلا بذلك، أو سمعه؛ فأراد أن يعلي السند، أو يكثر الطرق فجعلها متابعة، أولا؛ فإن كان فجائز حسن، فعل ذلك العلامة أبو حيان في كتابه التجريد وغيره عن أبي الحسن ابن البخاري وغير متابعة. ومنعها من القراء: الحافظ أبو العلاء الهمذاني وجعله من أكبر الكبائر، قال القسطلاني: كأنه أراد بذلك المنع إن لم يكن الشيخ أهلا؛ لأن في القراءات أمورا لا تحكمها إلا المشافهة.

قلت: ما ذهب إليه الحافظ ابن الجزري من تقييد جواز الرواية بها بكمال الأهلية هو


(١) مجلة البحوث الإسلامية ٧٠/ ٣٦٥.
(٢) انظر تفصيلًا الكفاية ١/ ٣١١، المحدث الفاصل ١/ ٤٣٥، الإلماع ١/ ٨٨، فتح المغيث ٢/ ٦٥، تدريب الراوي ٢/ ٢٩، الباعث الحديث ١/ ١٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>