للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المعصية المذكورة. (١)

قال القرطبي: إن الناس الذين أضيف إليهم أشد لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم من يشارك في المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الإلهية عذابًا، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد عذابًا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذابًا ممن يصورها لا للعبادة. (٢)

[الوجه الثاني: إن أشد العذاب لمن قصد مضاهاة خلق الله واعتقد ذلك.]

ويؤيد هذا القول حديث: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ الله" (٣).

قال النووي: قَوْله: "أَشَدّ النَّاس عَذَابًا" قِيلَ: هِيَ مَحْمُولَة عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَة لِتُعْبَد، وَهُوَ صَانِع الْأَصْنَام وَنَحْوهَا، فَهَذَا كَافِر، وَهُوَ أَشَدّ عَذَابًا، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ المُعْنَى الَّذِي فِي الحدِيث مِنْ مُضَاهَاة خَلْق الله تَعَالَى وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِر لَهُ مِنْ أَشَدّ الْعَذَاب مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيد عَذَابه بِزِيَادَةِ قُبْح كُفْره، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِد بِهَا الْعِبَادَة وَلَا المضَاهَاة فَهُوَ فَاسِق صَاحِب ذَنْب كَبِير، وَلَا يَكْفُر كَسَائِرِ المُعَاصِي. (٤)

فما دام لا يكفر إن لم يقصد ذلك -كما بينَّا في الوجه الأول- يكون أشد من غيره من العصاة، ولا يقارَن بعذاب الكفار.

قال ابن الملقن: في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أشد الناس عذابًا" يدل أن الوعيد الشديد إنما جاء لمن صور صورة مضاهاة لخلق الله. (٥)

وقال أيضًا: فأما من صوَّر صورة غير مضاهاة ما خلق ربه، وإن كان يفعله مخطئًا فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره، فإن قلت: ما الوجه الذي جعلته به مخطئًا إذا لم


(١) فتح الباري ١٠/ ٣٩٧.
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٧/ ١٠٩).
(٣) البخاري (٥٩٠٤).
(٤) شرح النووي ٧/ ٣٤٦: ٣٤٥.
(٥) التوضيح لابن الملقن ٢٨/ ٢٠٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>