للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وسائر الكائنات على وجه الأرض (السلوكيات والأخلاق).

وبعد توضيح ذلك فإن العلماء يعترفون كما أن هناك أوجها للمماثلة فإن هناك أوجها للمفارقة.

قال ابن عاشور: وليست المماثلة براجعة إلى جميع الصفات؛ فإنّها لا تماثل الإنسان في التفكير والحضارة المكتسبة من الفكر الذي اختصَّ به الإنسان، ولذلك لا يصحّ أن يكون لغير الإنسان نظام دولة ولا شرائع ولا رسل ترسل إليهن لانعدام عقل التكليف فيهنّ (١).

[الوجه السادس: النسبة بين المشبهات إنما هو بصفاتها في الأجسام وبذواتها في الأعراض.]

قال ابن حزم: وما اختلفت قط اللغات والطبائع والأمم في أن النسبة بين المشبهات إنما هو بصفاتها في الأجسام وبذوابها في الأعراض، وقد قال اللَّه تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}، فليت شعري هل قال ذو مسكة من عقل: أن الحمير، والكلاب، والخنافس تنوب منابنا أو تسدنا، وقال تعالى حاكيًا عن الأنبياء -عليهم السلام- أنهم قالوا: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} فهل قال قط مسلم: إن الكفار ينوبون عن الأنبياء ويسدون مسدهم، وقال تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)} فهل قال ذو مسكة من عقل: إن الياقوت ينوب مناب الحور العين ويسد مسدهن، ومثل هذا في القرآن كثير جدًا وفي كلام كل أمة. . .

وحقيقة التماثل والتشابه هو أن كل جسمين اشتبها فإنما يشتبهان بصفة محمولة فيهما وكل عرضين فإنما يشتبهان بوقوعهما تحت نوع واحد كالحمرة والخضرة، وهذا أمر يدرك بالعيان، وأول الحس، والعقل (٢).

قلت: فلا ضير أن نقول: زيد كالأسد؛ فإن هذا لوجود علاقة بين المشبَّه والمشبه به وهي الشجاعة، فإن هذا مما اتفقت عليه اللغات، وانظر إلى التشبيه في كتب البلاغة العربية


(١) التحرير والتنوير ٤/ ٤٢٥، (الأنعام: ٣٨).
(٢) الفصل في الملل ٢/ ١١٨؛ الكلام في سميع بصير وفي قديم.

<<  <  ج: ص:  >  >>