للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولكن حجرًا فيما يقال رأى من زياد أمورًا منكرة (١) فحصبه وخلعه وأراد أن يقيم الخلق للفتنة فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج فقال لها: (دعيني وحجرا حتى نلتقي عند الله) وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين وأنتم ودخولكم حيث لا تشعرونَ فما لكم لا تسمعون! (٢)

وعليه فقتل معاوية لحجر وأصحابه كان اجتهادًا رأى فيه معاوية -رضي الله عنه- ارتكاب أخف الضررين بقتله حتى لا يكون داعي فتنة.

[الوجه الثالث: إمامة معاوية باعتراف حجر نفسه ولم يصح لعنه له ولا خلعه.]

وهناك شيء هام جدًّا، وهو أن حجرًا نفسه لم يخلع معاوية ولم يخرج عليه، وإنما كان اعتراضه على زياد، ولما قدم على معاويةَ سَلَّمَ عليه بالإمارة.

قال ابن عبد البر: ولما ولَّى معاويةُ زيادًا العراق وما وراءها وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر خلعه حجر ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعة من أصحاب عليٍّ وشيعته وحصبه يومًا في تأخير الصلاة هو وأصحابه فكتب فيه زياد إلى معاوية، فأمره أن يبعث به إليه فبعث إليه مع وائل بن حجر الحضرمي في اثني عشر رجلًا كلهم في الحديد فقتل معاوية منهم ستة واستحيا ستة، وكان حجر ممن قُتِلَ فبلغ ما صنع بهم زياد إلى عائشة أم المؤمنين فبعثت إلى معاوية عبد الرحمن فوجده قد قتل هو وخمسة من أصحابه فقال لمعاوية: أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجرٍ وأصحابه؟ ألا حبستهم في السجون وعرضتهم للطاعون؟ قال: حين غاب عني مثلك من قومي. فعاتبه في ذلك، فقال: فما أصنع؛ كتب إليَّ فيهم زيادٌ يشدد أمرهم، ويذكر أنهم سيفتقون عليَّ فتقًا لا يرقع؟ ثم قدم


(١) قال محب الدين الخطيب: كان زياد في خلافة علي واليًا من ولاته وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئًا فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعا بعاطفة التحزب والتشيع وكان حجر يفعل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد فلمعاوية عذر إذا رأى أن حجرًا ممن سعى في الأرض فسادا. العواصم من القواصم (٢٢٠)
(٢) العواصم من القواصم (٢١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>