للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

{اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: ٤٩]. (١)

فالأنبياء - عليهم السلام - جميعًا لا يستطيعون عمل شيء إلاّ بإذن الله تعالى.

[الوجه الثالث: هذا بعض ما أيد الله به نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.]

أجرى الله تبارك وتعالى على يدي أنبيائه من المعجزات الباهرات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، مما يدل على صدق دعواهم أنهم رسل، وكي تقوم الحجة البالغة على الناس؛ فلا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: ٢٥]، والفرق بين المعجزة وغيرها من الدلالة والعلامة: أن المعجزة اشترط فيها التحدي، وأن يكون المُتحدى به مما يعجز عنه البشر في العادة المستمرة، أما الدلائل والعلامات فتقع دالة على صدق الأنبياء والرسل من غير سبق تحد، وسميت المعجزة كذلك: لعجز الخلق عن معارضتها والإتيان بمثلها. (٢)

قال القاضي في الشفا: اعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، وهي على ضربين: ضرب هو من نوع قدرة البشر، فعجزوا عنه، فتعجيزهم عنه فعل لله، دل على صدق نبيه - صلى الله عليه وسلم -، كصرفهم عن تمنى الموت، وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على رأى بعضهم ونحوه. وضرب هو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله: كإحياء الموتى، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وكلام شجرة، ونبع الماء من الأصابع، وانشقاق القمر مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله فيكون ذلك على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعل الله تعالى وتحديه من يكذبه، أن يأتي بمثله تعجيزًا له.

واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ودلائل نبوته، وبراهين صدقه، من هذين النوعين معًا، وهو أكثر الرسل معجزة، وأبهرهم آية، وأظهرهم برهانًا، كما سنبينه.


(١) تفسير ابن كثير (٤/ ١١٣).
(٢) موسوعة نضرة النعيم (١/ ٥٢٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>