للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)} (طه: ٥٥)، فخلقه من ترابها وهذا قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} (آل عمران: ٥٩)، وفي ذلك آيات في القرآن كثيرة.

[الحكمة من خلق آدم من تراب]

أما الحكماء فقالوا: إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه:

الأول: ليكون متواضعًا.

الثاني: ليكون ستارًا.

الثالث: ليكون أشد التصاقًا بالأرض؛ وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض، قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: ٣٥).

الرابع: أراد إظهار القدرة، فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهانًا باهرًا ودليلًا ظاهرًا على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج، والخالق بلا مزاج وعلاج.

الخامس: خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئًا لنار الشهوة، والغضب، والحرص، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافيًا تتجلى فيه صور الأشياء (١).

وهذا كله يصدقه حديث أبي موسى الأشعري حيث قال: قَالَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ، وَالْأَبيَضُ، وَالْأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ، وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ" (٢).


(١) تفسير الفخر الرازي ٨/ ٧٥.
(٢) رواه الترمذي (٢٩٥٥)، وأبو داود (٤٦٩٣). والحديث: قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وصححه =

<<  <  ج: ص:  >  >>