للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله تعالى: {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا} فيه لطيفة وهي أن العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن: لا تدخلها إلا بإذن! يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلًا لا بالدعاء ولا بغير الدعاء، فقال: لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل لكم: لا تدخلوا! لا تدخلوا، وإذا قيل: لكم ادخلوا! فادخلوا، ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أدبًا، وكون النبي حليمًا بقوله: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} إشارة إلى أن ذلك حق وأدب، وقوله كان إشارة إلى تحمل النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وقوله: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} يعني العين روزنة القلب، فإذا لم ترَ العين لا يشتهي القلب، أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر، ثم إن الله - تعالى - لما عَلَّمَ المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته، فقال: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه (١).

وقال السعدي: في قوله: {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} فالأمر الشرعي ولو كان يتوهم أن في تركه أدبًا وحياءً فإن الحزم كل الحزم اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء، والله تعالى لا يستحي أن يأمركم بما فيه الخير لكم والرفق لرسوله كائنًا ما كان، فهذا أدبُهم في الدخول في بيوته، وأما أدبُهم معه في خطاب زوجاته فإنه إما أن يحتاج إلى ذلك أو لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج إليه فلا حاجة إليه؛ والأدب تركه، وإن احتيج إليه، كأن يسألن متاعًا أو غيره من أواني البيت أو نحوها فإنهن يُسألن {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (٢).

[الوجه الثاني: سبب نزول هذه الآية.]

[الأمر الأول: سبب نزول الحجاب]

السبب الأول: روي عن أنس - رضي الله عنه - في الصحيح وغيره قال: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا مَرَّ بِجَنبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَرُوسًا بِزَيْنَبَ. فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - هَدِيَّةً! فَقُلْتُ لها: افْعَلي. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً


(١) تفسير الرازي (٢٥/ ٢٢٤).
(٢) تفسير السعدي (٦٧٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>