للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فعن أمِّ حَرامٍ أنها سمعتْ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "أولُ جيشٍ من أمتي يغزون البحرَ قد أَوجَبُوا" (١).

وموضعُ الفضيلةِ في الحديثِ من وجهين:

الأول: دعوةُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "قد أَوجَبُوا" أي: فعلوا فعلًا وَجَبَتْ لهم به الجنةُ أو أَوجَبُوا لأنفسِهم المغفرةَ والرحمةَ بذلك. (٢)

قال ابن عبد البر: أرادَ -واللهُ أعلمُ- أنَّه رأى الغُزاةَ في البحرِ مِن أُمَّته مُلوكًا على الأَسِّرة في الجنّة، ورُؤياهُ وَحْيٌ، وقد قال الله تعالى في صِفةِ أهلِ الجنَّة: {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الصافات: ٤٤]، وقال: {عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: ٥٦]، والأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجال. (٣)

فإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيمُ، كان معاويةُ من أَولَى الناسِ به، إذ إنَّه أميرُ تلك الغَزَاةِ بالاتفاقِ، كما تقدَّم قريبًا، وقد قال ابنُ عبدِ البرِّ عن هذا الحديثِ: وفيه فضلٌ لمعاويةَ -رحمه الله-؛ إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَته مِن الأوَّلين. (٤)

الثاني: أنَّ معاويةَ -رضي الله عنه- أولُ من سنَّ هذه السنةَ في أمةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فله أجرُها وأجرُ من عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ من غيرِ أنْ يَنْقُصَ من أجورِهم شيءٌ.

خامسًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن معاوية -رضي الله عنه- فلم يذكر فيه إلا فقره، وقلة ماله.

كما في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ -رضي الله عنها- أن أبا عمرِو بنِ حفصٍ -رضي الله عنه- طلَّقَها البتةَ، وهو غائب فأرسلَ إليها وكيلُه بشعيرٍ فسَخِطَتْه، فقال: واللهِ مالكِ علينا من شيءٍ، فجاءتْ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فذكرتْ ذلك له، فقال: ليس لكِ عليه نفقة، فأَمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بيتِ أمِّ شَرِيكٍ، ثم قال: تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتَدِّي عند ابنِ أمِّ مكتومٍ؛ فإنَّه رجلٌ أعمى


(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦).
(٢) فيض القدير (٣/ ٨٤).
(٣) التمهيد ١/ ٢٣٢.
(٤) التمهيد (١/ ٢٣٥)، وعدّه الآجري (٥/ ٢٤٤١)، واللالكائي (٨/ ١٤٣٨)، وغيرهما من فضائل معاويةَ -رضي الله عنه-.

<<  <  ج: ص:  >  >>