للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن هذا الخبر يتبيَّن أن الشيعة كانوا يَسْعَونَ للفتنة، ويُزَيِّنونَ الخروج للحسن -رضي الله عنه-، وأنه كان يعلم منهم ذلك، ويَحْذَرُهم، ويخافُ منهم على أخيه الحُسين، وقد حصل ما كان يَخشاه، فقد أخرجوا الحُسينَ، ثم خَذَلوه وأَسْلَموه، فكانوا السبب المباشر لاستشهادِه -رضي الله عنه-.

كذلك كان الأمر مع حُجْرٍ؛ فقد كانت الشيعة قد يَئسَتْ من إخراج الحَسَن -رضي الله عنه-، وكان وُجودُه كفيلًا برَدْع هؤلاء المُتربصين للخروج، فلما مات اجتمعوا على حُجْر، وصاروا يحرِّضونَه، وقالوا له: أنت شيخُنا، وأحقُّ الناس بإنكار هذا الأمر.

ومما يؤكِّدُ دور أولئك الشيعة في التحريض، وأنهم ما أرادوا بذلك إلا الخروج على الجماعة وقتالهَم: ما رواه عبد الله بن أحمد، ومن طريقه ابن عساكر (١٢/ ٢٢٠) وابن العديم (٥/ ٢١٢٤) بسند مُقارِب لا بأس به عن إسماعيل بن عياش أنه سأل شرحبيل بن مُسلم عن أصحاب حُجر: ما كان شأنُهم؟ قال: وَجَدُوا كتابًا لهم إلى أبي بلال: إن محمَّدًا وأصحابَه قاتَلوا على التنزيل، فقاتِلوهم أنتم على التأويل. قلت: وأبو بلال هو مرداس بن أدية، من كبار رؤوس الخوارج.

[الوجه السابع: اجتهاد معاوية -رضي الله عنه- لا يخلو من حالين؛ إما الإصابة وإما الخطأ.]

مع أن معاوية في النهاية لا يعدم أن يكون قد أصاب في اجتهاده، فيكون له أجران، أو اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ويكون خطؤه -رضي الله عنه- مغمورًا في بحر حسناته. (١)

ولو سلمنا أن معاوية -رضي الله عنه- أخطأ في قتل حجر -رضي الله عنه-؛ فإن هذا لا مطعن فيه عليه، كيف وقد سبق هذا الخطأ في القتل من اثنين من خيار الصحابة، هما: خالد بن الوليد، وأسامة بن زيد.

* أما قصة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- مع بني جذيمة، وقولهم صبأنا بدلًا من أسلمنا كما في حديث عبد الله بن عمر .. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدا" (٢).

قال الحافظ ابن حجر: وقال الخطابي: الحكمة من تَبرُّئه -صلى الله عليه وسلم- من فعل خالدٍ مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدًا، أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه،


(١) من فضائل وأخبار معاوية دراسة حديثية لمحمد زياد بن عمر التكلة.
(٢) البخاري (٤٣٣٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>