للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فكانت نظرة الإسلام لعدم تحريم الرق تحريمًا قطعيًا لاعتبارات كثيرة: عالمية، وسياسية، ونفسية، واجتماعية، وتشريعية. وإليك تفصيلها:

أولًا: الاعتبارات العالمية:

فالأوضاع الاجتماعية المعقدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعي اقتصادي، وأمر عرف دولي وعالمي في استرقاق الأسرى وفي استخدام الرقيق، والعرف الدولي يحتاج إلى اتفاقات دولية ومعاهدات جماعية. فلقد وجد الإسلام الرق نظامًا عالميًا يقوم عليه الاقتصاد العالمي. ووجد استرقاق الأسرى عرفًا دوليًا يأخذ به المحاربون جميعًا. . فلم يكن بد أن يتريث في علاج الوضع الاجتماعي القائم والنظام الدولي الشامل.

وقد اختار الإسلام أن يجفف منابع الرق وموارده حتى ينتهي بهذا النظام كله -مع الزمن- إلا الإلغاء، دون إحداث هزة اجتماعية لا يمكن ضبطها ولا قيادتها. وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق، وضمان الكرامة الإنسانية في حدود واسعة. بدأ بتجفيف موارد الرق فيما عدا أسرى الحرب الشرعية ونسل الأرقاء. . ذلك أن المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترق أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان. وما كان الإسلام يومئذ قادرًا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد، الذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي في أنحاء الأرض. ولو أنه قرر إبطال استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورًا على الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السيئ في عالم الرق هناك. وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام. (١)

قال عبد اللَّه ناصح علوان: الإسلام جاء والرق معترف به في جميع أنظمة العالم، بل كان عملة اقتصادية متداولة وضرورة اجتماعية هامة لا يستنكرها أحد، ولا يمكن أن


(١) في ظلال القرآن (١/ ٢١٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>