للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحدها: أنه كان يثقُل عليه إذا أوحي إليه، وهذا قول عائشة قالت: (ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه (يعني يتخلص عنه)، وإِن جبينه ليتفصّد عرقًا.

والثاني: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه، قاله الحسن، وقتادة.

والثالث: أنه يثقل في الميزان يوم القيامة، قاله ابن زيد.

والرابع: أنه المهيب، كما يقال للرجل العاقل: هو رزين راجح، قاله عبد العزيز بن يحيى.

والخامس: أنه ليس بالخفيف ولا السفساف؛ لأنه كلام الرب - عز وجل -، قاله الفراء.

والسادس: أنه قول له وزن في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصين، وهذا قول وزن: إذا استجدته، ذكره الزجاج. (١)

قال الآلوسي: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ} أي سنوحي إليك، وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى: {قَوْلًا ثَقِيلًا} وهو القرآن العظيم؛ فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين، سيما على الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بتحملها وتحميلها للأمة، وهذه الجملة المؤكدة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي لتسهيل ما كلفه - صلى الله عليه وسلم - من القيام كأنه قيل: إنه سيرد عليك في الوحي المنزل تكاليف شاقة، هذا بالنسبة إليها سهل، فلا تبال بهذه المشقة، وتمرن بها لما بعدها.

[الوجه السادس: نفي الله - عز وجل - عن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - هذه الأمراض.]

أما عن قولهم: إن هذه الأعراض التي كانت تصيب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها دلالة على أنه كان يصاب بالصرع، فقد نفى رب العالمين ذلك كله عن نبيه لما ادعى أعداؤه مثل ذلك، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)} [الأعراف: ١٨٤].

قال الرازي: واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبون إليه الجنون لوجهين:

الأول: أن فعله - صلى الله عليه وسلم - كان مخالفًا لفعلهم؛ وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان معرضًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة، مشتغلًا بالدعوة إلى الله، فكان العمل مخالفًا لطريقتهم، فاعتقدوا فيه أنه مجنون. (٢)


(١) زاد المسير لابن الجوزي ٨/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٢) تفسير الرازي (١٥/ ٧٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>