للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التي تعيد الإيمان إلى القلب، واليقين إلى النفس، وتريح ما علق بالوجدان من ريب وشكوك، ومن ثم فمن الواجب أن يستتاب المرتد، ولو تكررت ردته، ويمهل فترة زمنية يراجع فيها نفسه، وتفند فيها وساوسه، وتناقش فيها أفكاره، فإن عدل عن موقفه بعد كشف شبهاته ورجع إلى الإِسلام، وأقر بالشهادتين، واعترف بما كان ينكره، وبرئ من كل دين يخالف الإِسلام، قبلت توبته وإلا أقيم عليه الحد (١).

وما دام المشتبه صادق النية، مخلصًا للبحث متطلعًا لطلب الحق، فلا بد أن تزول الشبهة، فيرجع إلى الحق وقد سجل لنا تاريخ المسلمين أمثلة كثيرة وعديدة لذلك منها:

[حوار المأمون مع نصراني خرساني؛ أسلم ثم ارتد، فكان هذا الحوار]

قال المأمون: أخبرني ما الذي أوحشك مما كنت به آنسًا من ديننا، فواللَّه لأن أستحييك بحق أحب إلى من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلمًا بعد أن كنت كافرًا، ثم عدت كافرًا بعد أن صرت مسلمًا، فإن وجدت عندنا دواءً لدائك تداويت به، وإن أخطأك الشفاء ونبا عليك الدواء كنت قد أبليت العذر في نفسك ولم تقصر في الاجتهاد لها، فإن قتلناك قتلناك في الشريعة، وترجع أنت نفسك إلى الاستبصار واليقين ولم تفرط في الدخول من باب الحزم.

قال المرتد: أوحشتني منكم ما رأيت من الاختلاف في دينكم.

قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما: كاختلافنا في الأذان، والتكبير في الجنائز، وصلاة العيدين والتشهد، والتسليم من الصلاة، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك، وهذا ليس باختلاف، وإنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من السنة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يأثم ومن ربع لم يأثم. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب اللَّه، وتأويل الحديث عن نبينا مع اجتماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان إنما أوحشك هذا فينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقًا على تأويله كما يكون متفقًا على تنزيله، ولا يكون بين اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات ولو شاء اللَّه


(١) فقه السنة (٣/ ٢٣٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>