للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأخذ قوم المغيرة يلومونه في احتماله إياه فنزل المغيرة ودخل القصر، فاستأذن عليه قومه، ودخلوا ولاموه في احتماله حجرًا، فقال لهم: إني قد قتلته. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهًا بما ترونه، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة. إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، وما أحب أن أبتدىء أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز معاوية في الدنيا ويذل المغيرة في الآخرة، سيذكرونني لو قد جربوا العمال.

قال عثمان بن عقبة: فسمعت شيخًا من الحي يقول: قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم، أحمدهم للبريء، وأغفرهم للمسيء وأقبلهم للعذر، ثم هلك المغيرة سنة خمسين، فجمعت الكوفة والبصرة لزياد، فدخلها، ووجه إلى حجر فجاءه، وكان له قبل ذلك صديقًا، فقال له: قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك، وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدًا، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضًا وعداوةً، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبًا ومودةً (١)، وإني أخوك الذي تعهد، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان: حاجة غدوة، وحاجة عشية، إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك، وإن تأخذ يمينًا وشمالًا تهلك نفسك وتشط عندي دمك، إني لا أحب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللهم اشهد. فقال حجر: لن يرى الأمير مني


(١) وعند الطبري في هذا الموضع زيادة وهي أن زيادا لما قدم البصرة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإنا قد جربنا، وجربنا وسسنا، وساسنا السائسون فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها، وغيب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف، وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبة الشاهد عليها من الله، والناس أكبر من كذبة إمام على المنبر ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرظهم وذكر قتلته ولعنهم فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة اهـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>