للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نؤمِنُ به ولا نكذّبه، وتجوزُ حكايتُه لا تقدّم (١).

وقد تقدم بيان اختلاف العلماء وأقسام الإسرائيليات في صدر الكلام.

ثانيًا: أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا أعلم الناس بأمور دينهم.

وقد خصهم الله بالعلم والفهم، والورع والتقى، وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحدٍ بعدهم، ومن شكَّ في ذلك فعليه أن يراجع دينه وإيمانه قال الإمام الشافعي، بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمرٍ استُدْرِك به عليهم، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا. وما ثبت من أن بعض الصحابة كأبي هريرة وابن عباس - رضي الله عنهم - وغيرهما كانوا يرجعون إلى بعض من أسلم من أهل الكتاب، فهو أمر لا يعيبهم ولا ينقص من قدرهم وعلمهم.

[ثالثا: أن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء.]

بل كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحًا للقصة وبيانًا لما أجمله القرآن منها، مع توقفهم فيما يُلقى إليهم، فلا يحكمون عليه بصدق أو بكذب ما دام يحتمل كلا الأمرين، امتثالًا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}.

كما أنهم لم يسألوهم عن شيء مما يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام، اللهم إلا إذا كان على جهة الاستشهاد والتقوية لما جاء به القرآن. كذلك كانوا لا يعدلون عما ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك إلى سؤال أهل الكتاب، لأنه إذا ثبت الشئ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فليس لهم أن يعدلوا عنه إلى غيره.

رابعًا: كما كانوا لا يسألون عن الأشياء التي يُشبه أن يكون السؤال عنها نوعًا من اللهو والعبث.

كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف، والبعض الذي ضُرِب به القتيل من البقرة، ومقدار سفينة نوح، ونوع خشبها، واسم الغلام الذي قتله الخضر .. وغير ذلك، ولهذا


(١) فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٧٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>