للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشيء منه بلا شك، وكل جرم كرسي فإن جميع أبعاده عروض فقط.

وذكرت الأرض هنا لدخولها في جملة مساحة السموات ولإحاطة السموات بها والتي عرضها كعرض السماء والأرض هي الكرسي المحيط بالسموات والأرض؛ قال اللَّه تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (البقرة: ٢٥٥) فصح أن عرضه كعرض السموات والأرض مضافًا بعض ذلك إلى بعض، فصح أن لها ثمانية أبواب في كل سماء باب؛ وفي الكرسي باب، وصح أن العرش فوق أعلا الجنة؛ وهو محل الملائكة، وموضعها ليس من الجنة في شيء، بل هو فوقها وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} (غافر: ٧) بيانٌ جليٌ بان على العرشِ جرمًا آخر فيه الملائكة، وقد ذكر أن البرهان يقوم بذلك مَنْ أحكم النظر في الهيئة وهذه نصوص ظاهرة جلية دون تكلف تأويل.

وقوله تعالى: {كَعَرْضِ السَّمَاءِ} ذكر لجنس السموات؛ لأن السموات اسم للجنس يدل عليه قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}، ومثل هذا كثير مما إذا تدبره المتدبر دل على صحة ما قلناه من أن كل ما ثبت ببرهان فهو منصوص في القرآن وكلام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. (١)

الوجه الخامس: المعنى: إذا كانت الأرض لها ثمن، والسموات لها ثمن، فإن ثمن الجنة أغلى من ثمنهما معًا

فقد أشار أبو مسلم الأصفهاني أن العرض هاهنا من عرض البيع؛ فقال: عرضها: ثمنها لو جاز بيعها من المعاوضة في عقود البياعات، من قولهم: بيع كذا بعرض: إذا بيع بسلعة، فمعنى عرضها أي: بدلها وعوضها كقولك: عرض هذا الثوب كذا وكذا (٢).

قال الآلوسي: ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرض هاهنا ليس مقابل الطول، بل هو من قولك: عرضت المتاع للبيع؛ والمعنى: أن ثمنها لو بيعت كثمن السموات والأرض؛ والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة قدرها، وأنه لا يساويها شيء وإن عظم، فالعرض


(١) الفِصَل ٢/ ٨٤؛ مطلب: (بيان كروية الأرض).
(٢) انظر: مفردات القرآن للراغب - كتاب العين (١/ ٩٦٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>