للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عنهما قال: سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا؛ فإن كفروا أُهلكوا كما أهلكت من قبلهم. قال: لا، بل أستأني بهم؛ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)} (١).

[الوجه الخامس: الله أنزل آيات ولكنهم لم يؤمنوا.]

قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: {لَوْلَا} أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه أي بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [طه: ١٣٣] يعني القرآن الذي أنزله عليه الله وهو أمي لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها؛ فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها وهذه الآية كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: ٥٠، ٥١].

وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلَّا أُعْطِىَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الذي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢)، وإنما ذكر ههنا أعظم الآيات التي أعطيها - صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر كما هو مودع في كتبه ومقرر في مواضعه.


(١) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٥٨)، والحاكم (٢/ ٣٩٤)، وصححه، والطبراني في الكبير (١١٢٩٠)، وعبد بن حميد في مسنده (٧٠٠)، وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية (١/ ١٥٢).
(٢) رواه البخاري (٦٤٩٦)، ومسلم (١٥٢) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

<<  <  ج: ص:  >  >>