للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٣ - قال ابن حزم: وإن نارنا هذه أبرد من نار جهنم بتسع وستين درجة، وهكذا نشاهد من فعل الصواعق فإنها تبلغ من الإحراق والأذى في مقدار اللمحة ما لا تبلغه نارنا في المدد الطوال (١).

قلت: إذن حتى إحراق النار فهو أمر نسبي، فنار جهنم نسبة إحراقها غير نسبة إحراق نار الدنيا.

حتى إن الأمور النسبية نستعملها في حياتنا وكلامنا، فعندما أقول لك: إني أحبك عدد حبات الرمال، وعدد قطرات ماء البحار، ظنًا مني أن حبي لك غير محدود، كما أن عدد حبات الرمال، وعدد قطرات ماء البحار غير محدود، مع أن حبات الرمال وقطرات ماء البحار لهما عدد ما لا نعلمه واللَّه يعلمه؛ قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)} (الأنعام: ٥٩).

[الوجه الحادي عشر: هذا من قبيل التصور البديهي.]

فعلى قول المشككين في هذه الآية: إن القرآن المفترض أن يقول: وجنة عرضها السموات، فنرد عليهم ونقول: إذا الأرض التي نعيش عليها ليست داخلة في هذه المعادلة؛ فالإنسان لا يتصور كبر حجم السموات من أول وهلة إلا أن يكون لديه معلومات عن عدد الكواكب، والنجوم، والنيازك، والشهب، والمسافة بينهم، وما إلى ذلك من معلومات؛ لأنه لم يجئ عليها ولم يلمسها بيده، لكن عندما يذكر له أن الجنة أكبر من الأرض (التي بها بلاد كثيرة، وبحار عميقة) مضافًا إلى ذلك حجم السموات فعلى الفور يصل لذهنه أن الجنة عظيمة.

فالمشاهد التي يراها بعينه ليل نهار توصله للتصور البديهي، فإذا قيل له كلمة: (شجرة) وصل لذهنه في لمح البصر كل ما يحيط بذهنه من معلمات عنها.


(١) الفصل ٢/ ٨٣؛ (مطلب بيان كروية الأرض).

<<  <  ج: ص:  >  >>