للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم، فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة ونافع، وبمكة: عبد الله بن كثير وابن محيصن والأعرج، وبالكوفة يحيى بن وثَّاب وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وبالشام عبد الله بن عامر وعطية بن قيس الكلابي ويحيى بن الحارث الزماري، وبالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء وعاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي.

ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد، وخلفهم أمم بعد أمم. إلا أنهم كان فيهم المتفق وغيره. فلما كثر الاختلاف، وعسر الضبط، وشق الائتلاف، وظهر التخليط، وانتشر التفريط، واشتبه متواتر القراءات بفاذِّها، ومشهورها بشاذِّها، فمن ثَمّ وضع الأئمة لذلك ميزانًا يرجع إليه، ومعيارًا يعول عليه، وهو السند والرسم والعربية فكل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط مصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات على سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى سقط شرط من هذه الثلاثة فهو شاذ (١).

والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم أو مثلهم إلى عدد أكثر من السبعة هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرين جدًا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا - مما يوافق خط المصحف - على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إمامًا واحدًا ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه غير الأئمة هؤلاء من القراءات ولا القراءة بها، كقراءة يعقوب الحضرمي وأبي جعفر المدني وشيبة وغيرهم.

ولقد أسهم المؤلفون في القراءات في الاقتصار على عدد معين؛ لأنهم إذ يؤلفون مقتصرين على عدد مخصوص من أئمة القراء يكون ذلك من دواعي شهرتهم، وإن كان غيرهم أجل منهم قدرًا فيتوهم الناس بعدُ أن هؤلاء الذين اقتصر التأليف على قراءتهم هم الأئمة المعتبرون في القراءات، وقد صنف ابن جبر المكي كتابًا في القراءات، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا (٢).


(١) محاسن التأويل (١/ ٢٩٥: ٢٩٦) باختصار.
(٢) فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٤٨)، والإتقان (١/ ٢٢٤)، والإبانة لمكي بن أبي طالب (٤٦: ٦٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>