للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القلب، وأما الأسباب الاعتيادية: فهو أن يخالط قومًا يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية.

ثالثًا: الاعتدال: وهو المحمود وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده وهو الوسط، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه، ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور، واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سَوْرة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين؛ وهذا هو الصراط المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف؛ فإن عجز عنه فليطلب القرب منه (١).

ومن الغضب ما يكون محمود، وذلك إذا صدر الغضب من الله - عز وجل - ومن ذلك غضبه تعالى على أعدائه من اليهود، ومن كان على شاكلتهم من الكفار والمنافقين والطغاة والمتجبرين، قال تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: ٧]، وقوله تعالى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}، وقال: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: ٦١]، كما يكون الغضب محمودًا إذا كان لله - عز وجل - عندما تنتهك حرماته، وقد أثبت القرآن ذلك للرسل الكرام في مواضع عديدة، قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [الأعراف: ١٥٠].

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغضب لله لا لنفسه، فعن عائشة أنها قالت: رَخَّصَ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فِي أَمْرٍ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ فَوَالله لَأَنَا أَعْلَمُهمْ بِالله وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً" (٢).

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا فَغَضِبَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ" (٣).


(١) إحياء علوم الدين (٣/ ٢٦١).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٠١)، مسلم (٢٣٥٦) واللفظ له.
(٣) أخرجه البخاري (٧٠٤)، ومسلم (٤٦٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>